معركة روسيينا (47 قبل الميلاد) أحد أفضل الأمثلة المتيقية لدينا للقيادة الميدانية في العالم القديم، حين واجه قيصر جماعة بومبيه بقيادة لابيينوس في أفريقيا، وقد تلقي قيصر خبرة من الكشافة أن العدو بات بمرآهم، بعد أن انطلق هو من معسكره وسار على الأرض المنبسطة كليا. فسارع إلى الركوب نحو الأمام مصحوبة بمجموعة صغيرة، واكتشف العدو، وأمر بتشكيل نسق قتالي واحد (لم يملك القوات الكافية لتشكيل احتياطي) ، ثم أوعز - لا تعرف كيف - إلى الجناحين بالاحتراز ضد الالتفات، وهو إجراء ضروري لأن قام بذلك فعلا بواسطة خيالته المتفوقة. وأصدر قيصر امرة تناقلته الصفوف من الموقع الذي ارتكز به(كان لابيينوس يسير في هذه الأثناء ذهابا
وإيابة أمام جبهته، يشجع رجاله ويقترب من رجال قيصر ليس لتبادل الشتائم فحسب بل ولتعريف حصانه إلى القتل)، فيما اقترب الجيشان من بعضها، مفاده منع أي جندي من التقدم لمسافة تزيد عن أربعة أقدام أمام الرايات. إنما تمكن العدو بفضل تفوقه العددي من محاصرة جيش قيصر، بعد بعض المناوشات في المجتبتين. وجاء الرد بقيام قيصر، بالإيعاز إلى الكتائب المتناوبة بأن تلتف إلى الوراء، بحيث بات نصف قوته بتطلع إلى الخلف كما فعل هو نفسه، وعقب ذلك ربي رشقة من المقذوفات التي أطلقت بإشارة من القائد العام ولا بد، فاخترق جنود قيصر طوق جنود العدو. وتراجعوا تحت السيطرة الفعالة ليجدوا أن زملاءهم في الخلف كانوا قد هزموا العدو أيضا. وقرر قيصر عند ذلك إنهاء الالتحام، فبدا السير عودة إلى المعسكر محتفظة بالتشكيل القتالي (111) .
تألفت عناصر نظام القيادة التكتيكية الذي حول الفيالق الرومانية إلى رمز النصر بالميدان لمئات السنين، مما يلي: استخدام الوحدات المندمجة الحسنة التنظيم الدائمة، نظام كفؤ للاتصالات التكتيكية عند المستوى الأدنى، أي مستوى قائد والمنة والسرية والكتيبة؛ انتشار أتاح للقادة المرؤوسين أن يسندوا بعضهم البعض وأن يستخدموا مبادرتهم؛ والحرية الناجمة التي يتمتع بها القائد العام، واتسم بالأهمية القصوى أيضا جدول الأدوار الموحد للحركات التكتيكية التي نفذتها الوحدات المتنوعة، على أنه يمكن الطرح في هذه الحالة أن العناصر ذاتها التي ساهمت بالنجاح قد قيدت فاعلية الفيالق أيضا حين قاتلت بالتضاريس غير المألوفة لها كصحاري بلاد فارس وغابات ألمانيا. كما يمكن قلب المعادلة، إذ أن استقرار الجيش الروماني ككل وانضباطه الحديدي هما اللذان سمحا بالمرونة التكتيكية وممارسة المبادرة على أدنى المستويات. فلم يمكن خلق