قيام حفنات من الفرسان بالتضارب. ولعل أبسطها كان توجيه المعارك الثلاث (الطليعة والجسم الرئيسي والمؤخرة التي تألفت منها دومة جيوش العصور الوسطى التقاتل بالتعاقب مع وصولها إلى الميدان بالتزامن ضمن نسق واحد. ولا بد إن حصل ذلك مرارة من قبيل الصدفة، ويبدو أنه تحول إلى أسلوب مقصود على يد الجيوش شبه الدائمة المرتفعة الكفاءة للحملة الصليبية الأولى في فلسطين. وإذا كان من منطق بالسجلات التي تفيدنا بالمصادر حول معارك أنطاكية(ثلاث منها؛ في 1097 و 1098) والرملة (1101) والرملة الثانية (1102) وعسقلان (1105) ، فيظهر أن القائد العام قام دومأ بقيادة القسم الثالث والأخير، مما سمح له بالتالي مشاهدة التحام الطليعة، وثم بإرسال الجسم الرئيسي لإسنادها وأخيرأ بالاندفاع مع المؤخرة صوب النقطة التي اعتبرها الأكثر فائدة (116) .
خلق شكل آخر من التنويع حين اشترك الجنود الخفيفون (المرتزقة مرارا) بالقتال، فلزم بهذه الحالة الإيعاز هم بالانطلاق وثم استعادتهم بواسطة إشارة ما كي يتمكن الفرسان من الالتحام المباشر. ويبدو أنه تم تنفيذ مثل هذه الحركات التي استوجبت الاستخدام المنسق السليم للأبواق أو الرايات أو الاثنين معا، بالنجاح الأكبر في موقعة هاستينغز فيه 1099 (117) وأرسوف في 1191، وبنجاح أقل في كريسي في 1349 حيث حاول الفرسان الفرنسيون أن يسيروا بخيولهم فوق نشابيهم المنسحبين. ويدل هذا المثل الأخير على أن التنظيم والانضباط، وليس التكنولوجيا، هما اللذان شكلا العوامل المقيدة الحاسمة.
حلت الصدمة محل قوة المقذوفات بوصفها العنصر الحاسم في القتال، حين أدرج الإنكليز القوس الطويل في القرن الرابع عشر، ووقف القائد بالخلف دومة في مثل هذه المعارك، ولو عاد ذلك فقط إلى كونه فارس لا يحمل القوس المحتقر. وهكذا، شهدت موقعتا کريسي وبواتييه القائدين الإنكليزين، الملك إدوارد الثالث والأمير الأسود على التوالي، يراقبان الميدان من تلة خلفية ويتصلان بواسطة المراسلين (118) بقادة النشابين أدناه (119) . إلا أن القائدين كانا، نهاية، فارسين مقدامين، فانتهى الأمير الأسود ويجده هنري الخامس بموقعة أجانكور في 1415 مهاجمة الفرنسيين شخصية، كما ينبغي لكل فارس صالح (120) .
يؤكد المثل الأخير أن طبيعة التكتيكات هي متغير حيوي يساعد على تحديد