الصفحة 226 من 316

خلافا للكثير من الرأي التاريخي الحديث، على أية حال، فإن التهمة الأسوا التي يمكن توجيهها إلى نظام قيادة نابليون هي ليست الإفراط بالمركزية بحد ذاته، على الأرجح، بل افتقار الأسلوب الذي كان الإفراط بالمركزية سبأ ونتيجة له على حد سواء. وكما سيظهر تحليل الأسماء الذين وجهت إليهم الرسائل والمحتواها، قام نابليون أثناء الحملات بإصدار أوامره دون نظام يذكر. إذ كتب لكل من اعتقد بأهميته بتلك اللحظة، ووضع برسائله ذلك الجزء من خطته الذي راه مناسبا، وأبلغ أولئك الآخرين الذين خطرت اسماؤهم لباله. وكثيرا ما غاب أي اهتمام بالترتيب الذي يفترض إرسال الأوامر به منطقيا - ومثلا التأكد من صدور الأوامر أولا إلى من هو الأبعد بين متلقيها. وقد تدفقت الأوامر إلى الماريشالات وضباط التسليح ordonance، والنشرات، والرسائل الموجهة إلى الحكومة بالوطن وإلى رئيس حكومة العدو وعدد لا يحصى من الشخصيات الأخرى، من فمه ومن أقلام الكتبة secretaries بسرعة وتنوع يثيران القلق کا الإعجاب. فلم يميز الامبراطور دوما، حين بعث بهذا السيل، بين القيادة العملياتية والاهتمام بالتفاصيل؛ ولو فعل ذلك، لتمكن من التركيز على المسألة الأولى، وترك المزيد من الثانية لمرؤوسيه، وخصوصا بيرثيه ودوجان. ولأمكن تحقيق التوفير الإضافي وتجنب الأخطاء، بفضل تزويد بيرثيه والأركان العامة بأمر شامل يصلح لكافة الفيالق، وتم تركهم وشأنهم يكتبون لكل ماريشال على حدة، وتلقت الفيالق الأوامر المزدوجة وأحيانا المتناقضة، بمناسبات عديدة، واحد من نابليون والآخر من پيرثييه؛ أما نابليون نفسه، الذي اعتاد أن يحمل عبئا خارقة، فغرق بعمله حتى درجة الإرهاق أحيانا. إذا كانت أوامر الإمبراطور تشهد على قواه الخارقة بالتركيز والحساب والخيال، فإنها لا بد أن تثير التساؤل حول المعجزات التي كانت ستتحقق لو كمن وراءها أسلوب سليم للأركان. غير أن مجمل الإدارة النابليونية كانت، بالواقع، إدارة بالاستثناء.

يجب تفسير الغياب المتكرر للأسلوب في مراسلات الامبراطور بشخصيته غير الصابرة جزئية، وجزئية بحقيقة وقوفه عند عتبة الانتقال من التقليد العريق للقيادة العملياتية الشفوية إلى النظام الجديد لعمل الأركان الخطي. ولعل الكتابة، حسب قول أحد المؤلفين، هي بارود الذهنه، لكنه لا يمكن استخدامها دون دفع الثمن (80) . إذ كان تطبيق الأسلوب السليم بعمل الأركان سيؤدي إلى تبديد قوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت