يستعرض الجنود، ويقدم نوعا من القيادة قلما ظهر مثيله، ولم يتجاوزه أحد. بل وتقدم هذه الغيابات المطولة عن مقر القيادة، والتي لم يمكن أن تصله خلالها سوى المعلومات النادرة عن حالة الجيش ككل، دليلا بحد ذاتها على حقيقة أنه أمكن ترك شؤون عديدة لقادة الفيالق وأن الامبراطور استعد على الاستغناء عن - أو على الأقل تأجيل - استلام أنوع معينة من الرسائل لقاء القدرة على ممارسة الإشراف ومشاهدته الأمور لنفسه
وتبقى نقطة هامة للاعتبار، أخيرة، هي أن نظام القيادة الثوري الذي استخدمه نابليون لم يكن ثمرة التقدم التكنولوجي، كما يميل المرء للاعتقاد، بل مجرد التنظيم والعقيدة المتفوقين. هذا، ولم تزد الوسائط الفنية المتاحة للامبراطور تقدما عن تلك المتوفرة لدى خصومه؛ بل اختلف عنهم في امتلاكه للجرأة واليراعة اللازمتين لتجاوز الحدود التي فرضتها التكنولوجيا على القادة عبر آلاف السنين. وبينما سعي خصوم نابليون للحفاظ على السيطرة وتقليل عدم اليقين بواسطة حشد قواتهم حشدأ كثيفة، اختار نابليون الطريق المعاكس، أي إعادة تنظيم جيشه وإضفاء اللامركزية عليه بطريقة تتيح لأجزائه أن تعمل باستقلالية لفترة زمنية محدودة وأن تتحمل بالتالي درجة أعلى من عدم اليقين. واستفاد نابليون فائدة مربعة من المحدوديات عينها التي فرضتها التكنولوجيا، بدلا من السماح للوسائل التكنولوجية المتوفرة أن تملي منهج الاستراتيجية وطريقة عمل القيادة. أنه من البديهي أن شيئا مما سبق لم يكن ممكنا لولا التحسن بالبنية التحتية للاستراتيجية، كما وصفت أعلاه، وكذلك فإن الثورة بالقيادة لم تكن بلا سوابق کلية. لكن ترتب على شخص ما أن يجمع أجزاء اللغز، وكان نابليون بونابارت هو ذلك الرجل أن يعرف المرء ماذا يقدر أن يفعله على أساس الموارد المتاحة، وأن يفعله؛ أن يعرف ماذا لا يقدر أن يفعله، وأن يمتنع عن السعي لفعله؛ وأن يميز بين الأمرين - أن ذلك، بطبيعة الحال، هو تعريف العظمة العسكرية، بل والعبقرية الإنسانية عموما.