وتأسيسا على ما سبق، تتميز القصة القصيرة جدا بمجموعة من العناصر التجنيسية الثابتة، مثل: الحكائية، والحجم القصير جدا، والإضمار، والحذف، والانتقاء، والتسريع، والمفارقة، والسخرية، والجرأة، والصورة الومضة، والتراكب، والتتابع، والتنكير في وسم الشخصيات ...
إذا استلهمنا آراء نظرية التطور في التعامل مع الأجناس الأدبية، فإننا نقول: إن الجنس الأدبي مثل الإنسان، أو الكائن الحي، يخضع لثلاث مراحل متعاقبة. وتشكل تلك المراحل سنة الحياة لكل كائن عضوي حي. فهناك -أولا- فترة الولادة. ثم ثانيا، فترة النمو والنضج. ثم ثالثا، فترة الموت والاندثار والتلاشي.
وبتعبير آخر، تظهر - في البداية- أجناس وأنواع أدبية، ثم تنمو وتنضج وتتطور، لتختفي - في الأخير- تلاشيا وانقراضا واضمحلالا. وهكذا، يرى فرديناند برونوتيير (F.Brunetiere) أن خطب الوعاظ في القرن السابع عشر، بعد فترة انقطاع، تحولت إلى الشعر الغنائي في القرن التاسع عشر الميلادي.
ومن ثم، يمكن القول: إن مجموعة من الأجناس الأدبية، مثل: الخبر، والحديث، والكذب، والأحجية، والقصة القصيرة، والأقصوصة، والمقامة، والحكاية، واللغز، والنكتة ... قد تحولت، بفعل تطور الزمان، إلى جنس القصة القصيرة جدا. فقد كتب نجيب محفوظ الرواية، فالقصة القصيرة، ثم القصة القصيرة جدا. وكتب جبران خليل جبران الرواية، فالقصة القصيرة، ثم القصة القصيرة جدا. بمعنى أن تاريخ السرديات يخضع كباقي الكائنات الحية لقانون التغير والتحول انتقاء، وحذفا، وتشذيبا، واختصارا ...