الصفحة 28 من 69

كان مصطفى يتأمل الحال التي وصل إليها بعد الورقة، وتساءل مرات ومرات: كيف لواعظ مثل هذا أن يسوّد حياة إنسان، ويؤثر فيها بأكملها؟ وأردف يقول:"فبسببه عدت إلى الوراء في كل شيء، وشككت في الوجود فترة طويلة".

لكن الورقة لم تكن السبب الوحيد في ذلك الشك بل كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، فطبيعته لم تكن تقبل التفكير التقليدي والمسلم به في كل شيء، وقد أسس جمعية تسمى (جمعية الكفار) بسبب خلافه مع إمام مسجد، وكان ذلك في الثانية عشر من عمره، وأرجع الأمور فيها للمنطق والعقل.

ثم لجأ إلى الكيمياء والفيزياء في تفسير الطبيعة، وفي النهاية وجد أنها عاجزة عن تفسير الحياة الآخرة والموت، فانتقل إلى قراءة الأديان السماوية وغير السماوية ولا كمال إلا في القرآن"هكذا كان يردد."

ثم اتجه إلى دراسة الطب، وأحب المشرحة، وعشق الناي، وعزف الموسيقى، وكان يحتفظ بجثة في غرفته اشتراها بـ 50 قرشًا لتكون بداية النهاية واليقين.

كان يهرب في طفولته من واقعه المريض، أو من طفولته نفسها وأحلامه التي كانت تفوقه عمرًا وتفكيرًا.

نضج عقله بسرعة وكان السبب في ذلك والده الذي شكل الدعم الأكبر في حياته في هذه المرحلة، كان والده يأتيه بالمجلات والكتب بينما يأتي أغلب الآباء أبناءهم بالفواكه والخضروات.

تفوق محمود في الدراسة وكان أحب الأيام إليه عندما يرتدي الزيّ الجديد في أول يوم ِ دراسي.

لوحظ كثرة تأمله وخياله الواسع فيها، فقد كان يضع في فنائها مراكب من الورق، ويسيرها في البرك التي خلفتها مياه الأمطار، ويسرح بعدها في خيال الإبحار فيها. واختار الوحدة مرة أخرى مكتفيًا بما تمليه عليه أفكاره التي صاحبته!

ثم شغف بكتابة الشعر والقصص والروايات والعلوم، وأحب التجارب، فأنشأ معمل اختبار داخل بدروم منزله وبدأ فيه تجاربه والتي كانت ستأتي بنهايته بسبب حدوث بعض الحرائق فيها مما دفع والده فيما بعد إلى بيعها لخوفه عليه.

عند دراسته للطب بدأ البداية الحقيقية للإيمان.

اهتم بالتشريح، وبدأ العمل بجثته التي اشتراها ووضعها في حجرته في حوض من الفورمالين لكي يحفظها من التآكل، ثم أعقب يقول"شاهدتني أمي! فرفعت صوتها حين أصابها الهلع،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت