وَ حَدِيث بن عُمَرَ أَيْضًا أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ قَالَ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَرْكَانَ الْخَمْسَةَ اعْتِقَادِيٌّ وَهُوَ الشَّهَادَةُ وَبَدَنِيٌّ وَهُوَ الصَّلَاةُ وَمَالِيٌّ وَهُوَ الزَّكَاةُ اقْتُصِرَ فِي الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ عَلَيْهَا لِتَفَرُّعِ الرُّكْنَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ عَلَيْهَا فَإِنَّ الصَّوْمَ بَدَنِيٌّ مَحْضٌ وَالْحَجَّ بَدَنِيٌّ مَالِيٌّ وَأَيْضًا فَكَلِمَةُ الْإِسْلَام هِيَ الأَصْل وَهِيَ شَاقَّةٌ عَلَى الْكُفَّارِ وَالصَّلَوَاتُ شَاقَّةٌ لِتَكَرُّرِهَا وَالزَّكَاةُ شَاقَّةٌ لِمَا فِي جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ مِنْ حُبِّ الْمَالِ فَإِذَا أَذْعَنَ الْمَرْءُ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ كَانَ مَا سِوَاهَا أَسْهَلَ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا وَالله أعلم». [1]
قال بدر الدين العيني: «وَأما تَخْصِيص هَذِه الثَّلَاثَة من بَين سَائِر الْأَركان و واجبات الدّين فلكونها أظهرها وَ أَعْظَمهَا وأسرعها علما بهَا، إِذْ فِي الْيَوْم الأول من الملاقاة مَعَ الشَّخْص يعلم صلَاته وَ طَعَامه، غَالِبا، بِخِلَاف نَحْو الصَّوْم فَإِنَّهُ لَا يظْهر الامتياز بَيْننَا وَ بينهمْ بِهِ وَ نَحْو الْحَج فَإِنَّهُ قد يتَأَخَّر إِلَى شهور و سنين، وَقد لَا يجب عَلَيْهِ أصلا» [2] .
قال القسطلاني: «فإن قلت: لم خصّ الثلاثة بالذكر من بين الأركان وواجبات الدين أُجيب بأنها أظهر وأعظم وأسرع علمًا لأن في اليوم تعرف صلاة الشخص وطعامه غالبًا بخلاف الصوم والحج كما لا يخفى» [3] .
والخلاصة أن سبب عدم التنصيص على الصوم وعلى الحج؛ لأن الصوم والحج عملان خفيان لا يطلع عليهما إلا الله - سبحانه و تعالى - وليسا بظاهرين بخلاف الشهادتين و الصلاة و الزكاة فالشهادة تسمع، و الصلاة ترى، و الزكاة يؤتيها فيقبضها المسلمين المستحقين، أما الصوم فأمر خفي وأما الحج فعلى من استطاع إليه سبيلًا، والاستطاعة أمر خفي.
و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) يَدُلُّ عَلى أَنَّ تارِكَ الصَّلاةِ والزَّكَاةِ يُقَاتَلُ كَمَا يُقَاتَلُ تَارِكُ الشَّهَادَة ِ، و أنه يجب قِتالِ الجماعةِ المُمْتَنِعِين مِن إقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ.
(1) - فتح الباري 3/ 361
(2) - عمدة القاري شرح صحيح البخاري 4/ 126
(3) - إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 1/ 411