التبرج المحرم إجماعًا.
الصنف الثاني: أهل صلاح لهم غرض في الحق، لكن لم يوفقوا له؛ وما صبوتهم في مسألة الحجاب إلا لاتباعهم الأدلة الظنية وتركهم الأدلة اليقينية، قال الله تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا +} [النجم:28] .
وفي نهاية المطاف وقبل أن أستعرض تلك الشبه وأجوبتها التفصيلية أسلحك أخي بجواب شمولي يريحك ويدرأ عنك-بإذن الله-حذلقة المتحذلقين، فعض عليه بنواجذك وتمسك به تمسك الغريق بحبل النجاة.
إن كل دليل يأتي به مستدل؛ ليوهمك على إباحة السفور ولا يحضرك الجواب التفصيلي، فأجبه بالجواب التالي: [أدلة وجوب ستر الوجه واليدين محكمة، ودليلك-إن صح-فهو من المتشابه، وقد أمرنا الله - رضي الله عنه - برد المتشابه إلى المحكم، وهي جادة الراسخين في العلم، فيلزمنا حمل دليلك على محمل يتفق مع المحكم ولا يخالفه] [1] .
(1) مثال يوضح منهج العلماء في رد المتشابه إلى المحكم، روى الشيخان عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فأطعمته، ثم جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... الحديث. فهذه الواقعة قد أشكلت على كثير من العلماء، إذ أن النصوص المحكمة تحرم الخلوة بالأجنبية والنظر إليها والملامسة، وقصة أم حرام تعارض هذا المحكم بادي الرأي، فإذا أردنا أن نستعرض توجيه أهل العلم لقصة أم حرام نجد أن توجيهاتهم تحوم حول إعادة المتشابه إلى حظيرة المحكم لا نسف المحكم بالمتشابه، قال الحافظ في فتح الباري في باب من [زار قوما فقال عندهم] : الذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها وهو الجواب الصحيح عن قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله عليها ونومه عندها، وتفليتها رأسه، ولم يكن بينهم محرمية ولا زوجية. اهـ. وقيل: يحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب. وقال الدمياطي: ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بأم حرام، ولعل ذلك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع. ثم ذهب إلى أن هذا من الخصائص لأم حرام. اهـ. وقال النووي: اتفق العلماء على أنها-يعني أم حرام-كانت محرمة له - صلى الله عليه وسلم -، واختلفوا في كيفية ذلك. اهـ. انظر: سبل الهدي والرشاد 10/ 444 - 446.