وأخيرًا أجد في نفسي ضرورة إلى أن أبين للقاريء الكريم أن الشبه في غالبها تحتاج حال الجواب عنها إلى عصف ذهني؛ لكونها حمالة أوجه ومن فهم طبيعتها أدرك أن تلك الاحتمالات وإن كثرت فليست من التكلف والتعسف في شيء بل هي دفع بالصدر بيد العدل والإنصاف [1] .
(1) مثال يبين ضرورة تقدير الاحتمالات عند التعارض في الظاهر:
وقع إشكال قديم أجالس ابن إسحاق فاطمة بنت المنذر وحدث عنها أم لا، والباعث على هذا الإشكال أن سفيان سئل عن (ابن إسحاق) : جالس فاطمة بنت المنذر؟ فقال: أخبرني أنها حدثته، وأنه دخل عليها. اهـ.
ويتعارض خبر سفيان مع قول يحيى بن سعيد: سمعت هشام بن عروة يقول: تحدث ابن إسحاق عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، والله إنْ رآها قط. اهـ. ولا سبيل إلى الجمع إلا بتقدير الاحتمالات الواردة وهو الطريق الصحيح في مثل هذا، قال الذهبي: هو-أي ابن اسحاق-صادق في ذلك بلا ريب. وهشام صادق في يمينه، فما رآها، ولا زعم أنه رآها. بل ذكر أنها حدثته. اهـ. وقال أحمد بن حنبل: لعله جاء، فاستأذن عليها، فأذنت له-يعني ولم يعلم. اهـ.
وقال بعض الأئمة: لو صح هذا من هشام لجاز أن تكتب إليه، وجائز أن يكون سمع منها، وبينهما حجاب في غيبة زوجها. اهـ. قال الذهبي: ذاك الظن بهما كما أخذ خلق من التابعين عن الصحابيات، مع جواز أن يكون دخل عليها، ورآها وهو صبي، فحفظ عنها، مع احتمال أن يكون أخذ عنها حين كبرت وعجزت، ويحتمل أن تكون إحدى خالات ابن إسحاق من الرضاعة، فدخل عليها وما علم هشام بأنها خالة له أو عمة. انظر: سير أعلام النبلاء 7/ 37 - 38، 41 - 42، 50.