(إنك بعثت إلى أقوام يتكلمون بألسنة الشياطين فيُشبهون على الناس، وليس كل الناس يعلم ما يريدون، وإنما يريدون فرقة ويُقربون فتنة، قد أثقلهم الإسلام وأضجرهم) [1] .
فصرفهم من الشام، فلما خرجوا دعاهم فقال: (إني معيد عليكم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان معصومًا فولاني، وأدخلني في أمره، ثم استخلف أبو بكر - رضي الله عنه - فولاَّني، ثم استخلف عمر فولاني، ثم استخلف عثمان فولاَّني، فلم آل لأحد منهم، ولم يولني إلاَّ وهو راضٍ عني، وإنما طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعمال أهل الجزاء عن المسلمين والغناء، ولم يطلب لها أهل الاجتهاد والجهل بها والضعف عنها، وإن الله ذو سطوات ونقمات يمكر بمن مكر به، فلا تعرضوا لأمر وأنتم تعلمون من أنفسكم غير ما تظهرون، فإن الله غير تارككم حتى يختبركم ويبدي للناس سرائركم) [2] .
ثم سيرهم الخليفة إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والي حمص وعنده نالوا جزاءهم العادل، حتى تابوا، لكنهم سرعان ما انخرطوا في فتنة قتل الخليفة عثمان - رضي الله عنه - ونقضوا توبتهم [3] .
فلما تفجرت الفتنة على أمير المؤمنين عثمان كان هؤلاء من قادة الخوارج عليه في أيديهم وألسنتهم، وبعد استشهاد عثمان - رضي الله عنه - كان أول المبايعين لعلي - رضي الله عنه - وفي مقدمة جيشه الخارج من المدينة إلى البصرة [4] .
يقول الدكتور حامد محمد الخليفة: (إن من الأسباب التي عمَّقت دائرة الخلاف بين الخليفة علي ووالي الشام معاوية رضي الله عنهما وجود الغوغاء [5] في جيش أمير المؤمنين، وتحريضهم على قتال معاوية، وتهويلهم من خطورة امتناعه عن البيعة إلاَّ بعد القصاص من القتلة، لأن ذلك يعنيهم بالدرجة الأولى) [6] .
فهؤلاء النفر الغوغاء الخوارج هم الذين صنعتهم الأيدي السبئية، فمؤامرتهم ظلت قائمة على الأئمة الإسلامية منذ مقتل عثمان - رضي الله عنه - مرورًا بمقتل طلحة والزبير وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم إلى يومنا هذا، وهم ممن يوقد النار ويؤججها بين الحين والآخر في داخل الصف المسلم، فالفتن تترًا والمشاكل جمة، والخطب جلل، وليس لهذا إلاَّ الله القادر المقتدر فهو حسبنا ونعم الوكيل ..
(1) (( تاريخ الطبري: 5/ 134 - 138.
(2) (( المصدر نفسه.
(3) (( ينظر: الإنصاف ص 417(الهامش) .
(4) (( المصدر نفسه.
(5) (( الغوغاء: الناس الكثير المختلطون، ينظر: مختار الصحاح: ص 488 مادة(غوى) . وهنا المقصود الجماعة غير المنسجمة غير الواضحة.
(6) (( المصدر نفسه ص 418.