الأيدي السبئية وراء هذه الفتنة:
ومن خلال استقراؤنا لأقوال المنصفين من المؤرخين، ظهر لنا بجلاء أن السبئية [1] وراء فتنة قتال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لمعاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - وملخص القول:
أنه لم يكن بين علي ومعاوية رضي الله عنهما أي خلاف لا في ما يتعلق بالخلافة أو غيرها حتى تمكن ابن سبأ اليهودي في نهاية الأمر إلى إشعال الفتنة بينهما، وذلك في تجييش غوغاء وبثهم في الأمصار، والسير بهم إلى المدينة تحت ذرائع باطلة وحجج مصنعة مدبرة، حتى استطاعوا أن يبثوا سمومهم وخلق المشاكل ضد معاوية - رضي الله عنه - كونه الوالي الوحيد الذي أعجزهم وهزمهم في كل ميدان نازلوه فيه، وما ذلك إلاَّ لمعرفته التامة بنزعات أولئك الغوغاء وحبهم للشغب وإثارة الفتن، ولا شك أن معاوية كان من أعرف الناس بهم. ومعرفته بهم قديمة ومنذ أيام عثمان - رضي الله عنه -، حيث كتب أشراف أهل الكوفة وصلحاؤهم إلى عثمان في إخراجهم، فكتب إلى معاوية - رضي الله عنه: (إذا اجتمع ملؤكم على ذلك فألحقوهم بمعاوية، فكتب عثمان إلى معاوية: أن أهل الكوفة قد خرجوا إليك نفرًا خُلقوا للفتنة فرعُهم وقم عليهم، فإن آنست منهم رشدًا فاقبل منهم، وإن أعيوك فارددهم عليهم) ، فلما قدموا على معاوية رحب بهم وأجرى عليهم العطاء وأكرمهم وأسكنهم قريبًا منه، فكان معاوية يزورهم ويحادثهم، ويرجو استصلاحهم وهم بضعة عشر رجلًا منهم: مالك بن الحارث الأشتر النخعي، وثابت بن قيس النخعي، وكميل بن زياد النخعي، وزيد بن صوحان العبدي، وجندب بن زهير الغامدي، وجندب بن كعب الأزدي، وعروة بن الجعد. فكان معاوية يذكرهم بفضل الله تعالى عليهم إذ جعلهم من المسلمين، وبحقوق أمرائهم عليهم، وقال: (إن أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور، ويحتملون منكم، المؤونة، والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاء لهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد موتكم) [2] . ورغم موعظته لهم إلاَّ أنهم لم يرعووا له ولم يستمعوا وينصتوا لنصحه إياهم، فقام من عندهم وكتب إلى عثمان:
(1) (( السبئية: نسبتها إلى عبد الله بن سبأ، وهم الغلاة من الرافضة، أصله من أهل اليمن، كان يهوديًا، وأظهر الإسلام وطاف بلاد المسلمين ليلفتهم عن طاعة الأئمة، ويدخل بينهم الشر، وقد دخل دمشق لذلك في زمن عثمان بن عفان، كان يقول: (إن عليًا عليه السلام لم يمت وسيرجع إلى الدنيا قبل قيام الساعة، ينظر: تاريخ دمشق: 29/ 3، والمجروحين: لابن حبان: 2/ 253، وجاء في تاريخ دمشق: 29/ 9: عن الصادق عن آبائه الطاهرين عن جابر، قال: لما بويع علي خطب الناس فقام إليه عبد الله بن سبأ فقال له: أنت دآبة الأرض، قال: فقال له اتق الله، فقال له: أنت الملك، فقال له: اتق الله، فقال له: أنت خلقت الخلق وبسطت الرزق، فأمر بقتله فاجتمعت الرافضة فقالت له: دعه وأنفه.
(2) (( ينظر: تاريخ الطبري: 5/ 134 - 138، والكامل لابن الأثير: 3/ 70. والإنصاف فيما وقع في العصر الراشدي من خلاف: ص 416 وما بعدها.