فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 87

والباحثين مع الروايات التي وضعها خصوم الصحابة الكرام على أنها حقائق تاريخية، وقد تلقاها الناس منهم بالقبول دون تمحيص لها وكأنها صحيحة لا مرية فيها، وقد يكون لصياغتها القصصية المثيرة وما زعم فيها من خداع ومكر أثر في اهتمام الناس بها وعناية المؤرخين بتدوينها) [1] .

فلا داعي لذكر ما قالوه من كذب، وإنما الذي تطمئن إليه النفوس وتستقر إليه الألباب السديدة ويليق بجانب الصحابة رضوان الله عليهم قول ابن العربي في العواصم [2] : عن خليفة بن خياط [3] ، والدار قطني [4] ، أنه لما خرجت الطائفة العراقية مائة ألف، والشامية في سبعين أو تسعين ألفًا ونزلوا على الفرات بصفين، اقتتلوا في أول يوم وهو الثلاثاء على الماء فغلب أهل العراق عليه، ثم التقوا يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر سنة سبع وثلاثين، ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت، وكانت تسمى ليلة (الهرير) ، اقتتل الناس فيها حتى الصباح ورفعت المصاحف من أهل الشام، ودعوا إلى الصلح، وتفرقوا على أن تجعل كل طائفة أمرها إلى رجل حتى يكون الرجلان يحكمان بين الدعويين بالحق، فكان من جهة علي - رضي الله عنه - أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه -، ومن جهة معاوية - رضي الله عنه - عمرو بن العاص - رضي الله عنه -، فبعث علي - رضي الله عنه - ابن عباس - رضي الله عنهم -، ولم يحضر، وحضر معاوية فلم يتفق الحكمان على شيء وافترق الناس. وأبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص كلاهما من الصحابة الأجلاء.

قال الطبري: (وقد اشتد القتال وتوجه النصر فيها لأهل العراق على أهل الشام، وتفرقت صفوفهم، وكادوا أن ينهزموا، فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح وقالوا: هذا بيننا وبينكم قد فني الناس، فمن لثغور أهل الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق؟ فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت، قالوا: نجيب إلى كتاب الله عز وجل وننيب إليه) [5] .

(1) (( سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: الدكتور علي محمد الصلابي، ص 487.

(2) (( ينظر: العواصم، ص 175 - 176.

(3) (( هو خليفة بن خياط الإمام الحافظ العلامة الأخباري أبو عمرو العصفوري البصري، ويلقب بشباب، صاحب(التاريخ) و (الطبقات) وغير ذلك، حدث عنه البخاري، وبقي بن مخلد، والكرماني، والدارمي، وأُبي، وعاصم وغيرهم، قال ابن عدي: هو صدوق، مات سنة (239) هـ. ينظر: السير: 11/ 472.

(4) (( هو الإمام الحافظ المجود: شيخ الإسلام، علم الجهابذة، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن نعمان بن دينار بن عبد الله البغدادي المقرئ المحدث من أهل محلة دار القطن ببغداد، ولد سنة(306) هـ، كان من بحور العلم ومن أئمة الدنيا انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله والفقه، والاختلاف والمغازي، وأيام الناس، ومن اشهر كتبه السنن، توفي سنة (385) هـ. ينظر: تاريخ بغداد: 12/ 40: والسير: 16/ 449.

(5) (( تنزيه خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان من الظلم والفسق في مطالبته بدم أمير المؤمنين عثمان لأبي يعلى محمد الفراء، تحقيق دار النبلاء عثمان، الطبعة الأولى 1422 هـ، ص 36 نقلًا عن تاريخ الطبري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت