نقول: لقد حرَّف الغلاة صورة التحكيم فقلبوا الحقيقة إلى باطل، فقالوا: إن عمرو بن العاص بعد أن اتفق مع أبي موسى الأشعري على خلع علي ومعاوية رضي الله عنهما ومبايعة شخص آخر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكث الاتفاق، فخلع عمرو عليًا واثبت معاوية، وهذا الأمر لا صحة له لا من قريب ولا من بعيد، ويرد عليه من وجوه:
الأول: نكث الاتفاق صفة تلازم المنافقين، والمنافق فاسق كذّاب، وعمرو بن العاص صحابي صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وروى عنه، والصحابة كلهم عدول ثقات، فلو كان غير ذلك لما عد من الصحابة، ولما روى عنه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما في أسانيدهم الصحيحة، فلو كان مخادعًا لاتهم بالضعف ولعد من الكذّابين.
الثاني: لو كان غير ثقة لما ولاه سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إمارة مصر، وهي ثغر مهم لحماية الإسلام.
الثالث: إن معاوية لم يكن خليفة، ولا هو ادعى الخلافة يومئذ حتى يحتاج عمرو إلى خلعها عنه، بل إن أبا موسى وعمرًا اتفقا على أن يعهدا بأمر الخلافة على المسلمين إلى الموجودين من أعيان الصحابة الذي توفي الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو راضٍ عنهم، واتفاق الحكمين على ذلك لا يتناول معاوية، لأنه لم يكن خليفة ولم يقاتل على الخلافة، وإنما كان يطالب بإقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان، والذي يعتبر نفسه ولي دمه وهذا لم يكن إلاَّ اجتهادًا من نفسه - رضي الله عنه -.
فالخلافة كانت في علي - رضي الله عنه - بمبايعة الصحابة ولم ينكر معاوية ذلك، واعترف بذلك أمام جمع كبير من الصحابة بأن عليًا أفضل منه وهو الخليفة، ولم يكن يطمع بالخلافة.
قال الجعفي: (حدثنا يعلى بن عبيد الله عن أبيه، قال: جاء أبو مسلم الخولاني وأنا إلى معاوية، وقالوا: أنت تنازع عليًا أم أنت مثله؟ فقال: لا والله إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا، وأنا ابن عمه والطالب بدمه، فائتوه، فقولوا له فليدفع إليَّ قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا عليًا فكلموه، فلم يدفعهم إليه) [1] .
(1) (( ينظر: السير: 7/ 140، والبداية والنهاية: 8/ 121، ورجاله ثقات.