الغادر الخائن) فقال الرهط لعمر: يا أمير المؤمنين، اقضِ بينهما وأرح أحدهما من الآخر، فقال عمر: أنشدكما الله الذي بأذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا نوُرثُ، ما تركنا صدقة ) )يريد بذلك نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك، فأقبل على العباس وعلي فقال: أنشدكما الله، هل تعلمان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك؟ قالا: نعم، قال عمر: إن الله خصَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، فعمل فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حياته، ثم توفى فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقبضها سنتين في إمارته فعمل فيها بما عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنتما تزعمان أن أبا بكر كاذب غادر خائن، والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق [1] .
فقول العباس لعلي كقول الأب للابن، وأما قولهما عن أبي بكر بأنه خائن غادر فاختلاف في الرأي، ومهما يكن فلا بد لنا أن نلزم أنفسنا من أن نتكلم في أحد من الصحابة وكل ما حدث بينهم يجب حمله على الحسن، فأهل الحق لا يقبلون أي رواية تطعن في شخصهم رضوان الله عليهم، حتى وإن صح سندها، وذلك لأنها مخالفة لتعديل الله لهم في كتابه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - المطهرة المبرئة من كل عيب ولكن يمكن إخضاعها للتأويل الذي يرفع من قدرهم ومنزلتهم، ولا ينصرف إلى غير ذلك.
لهذا فإن قول معاوية محمول على أنهما اختلفا رأيًا فحدث مثل هذا السب ولا نقول إلاَّ الحسنى.
قال المروزي: (قيل لأبي عبد الله، ونحن في العسكر، وقد جاء بعض رسل الخليفة: يا أبا عبد الله، ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية؟ فقال: ما أقول عنهم إلاَّ الحسنى) [2] .
وقال أيضًا: (سمعت أبا عبد الله، وذكر له أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: رحمهم الله أجمعين، ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري والمغيرة كلهم وصفهم الله في كتابه فقال: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [3] ، وسأله رجل عما جرى بين علي ومعاوية فأعرض عنه، فقيل له يا أبا عبد الله، هو رجل من بني هاشم، فأقبل عليه، فقال: اقرأ {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} ) [4] .
(1) (( تتمة الحديث من حديث البخاري المتقدم.
(2) (( انظر: العواصم من القواصم ص 49.
(3) (( سورة الفتح الآية 49.
(4) (( سورة البقرة الآية 141. انظر: العواصم ص 49.