فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 87

وقد اختنق القوم بالبكاء، ثم قال معاوية: رحم الله تعالى أبا الحسن كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ فقال: حزن من ذبح ولدها في حجرها، فلا ترقى عبرتها ولا يسكت حزنها [1] .

وقال جرير بن عبد الحميد عن المغيرة: (لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم) [2] .

يقول الصلابي: (إنه لا يعرف بنقل صحيح أن معاوية - رضي الله عنه - تعرض لعلي - رضي الله عنه - بسب أو شتم أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته، فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول، وأبعد منه أن يحمل الناس على سبه وشتمه) [3] .

وما يكون جوابك يا لبيب لو سمعت مثل هذا الوصف، هل هو بموضع المدح أم السب أم الذم؟.

ولا نريد أن ننقض ما قلناه فهو الصحيح المختار والذي اتفق عليه علماء السنة والجماعة قديمًا وحديثًا وهو الراجح، ولكن لنفترض جدلًا بأن معاوية كان يسب عليًا وهو المرجوح، فما هو التأويل المناسب لمثل هذا الصنيع؟:

يقول علماؤنا: إن السب لم يكن بين معاوية وعلي رضي الله عنهما فقط فيما لو صح هذا الخبر، بل حدث بين كثير من الصحابة فيما بينهم.

من ذلك: ما روي أن العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليًا رضي الله عنهما اختصما عند عمر بن الخطاب أمير المؤمنين في شأن أوقاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال العباس لعمر: يا أمير المؤمنين اقضِ بيني وبين هذا الظالم الكاذب الآثم الجائر [4] .

قال الحافظ ابن حجر [5] : زاد شعيب ويونس: (فاستبَّ علي وعباس) ، وفي رواية عقيل عن ابن شهاب في الفرائض: (اقضِ بيني وبين هذا الظالم، استبا) ، وفي رواية جويرية (وبين هذا الكاذب الآثم

(1) (( انظر: الأجوبة العراقية للالوسي 63.

(2) (( انظر: البداية والنهاية 8/ 526.

(3) (( انظر: الحسن بن علي بن أبي طالب ص 355.

(4) (( رواه البخاري في كتاب الفرائض(85) - باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (( لا نورث ما تركنا صدقة ) )رقم الحديث (6728) عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري.

(5) (( انظر: فتح الباري: 6/ 125، وقال الحافظ: (لم أر في شيء من الطرق أنه صدر من علي في حق العباس بخلاف ما يفهم من قوله في رواية عقيل:(استبا) واستصوب المازري صنيع من حذف هذه الألفاظ من هذا الحديث وقال: (لعل بعض الرواة وَهَمَ فيها وان كانت محفوظة) أ. هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت