فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 87

فليس في الحديث إشارة إلى أن معاوية كان يسب عليًا، فلو كان يسبه لما ذكره بأحب أسمائه (أبي تراب) فأي شخص إِذا كره شخصًا ناداه باسم يكرهه وليس بأحب أسمائه كأبي جهل وأبي لهب .... الخ.

وكان الإمام علي - رضي الله عنه - يحب هذا الاسم، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي سماه به كما ثبت في الصحيحين [1] عن سهل بن سعد أن عليًا غاضب فاطمة فراح إلى المسجد، فجاءه رسول الله، فوجده نائمًا وقد لصق التراب بجلده، فجعل ينفض عنه التراب، ويقول: (( اجلس أبا التراب ) ).

ومن علامات حب المسلم لأخيه أن يذكره بأحب أسمائه حيث ورد عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - انه قال: (ثلاث يصفين لك ودَّ أخيك: تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليك) [2] .

ومحبة معاوية لعلي رضي الله عنهما كما ذكرها ابن الجوزي بأنها كانت محبة جيدة تامة.

فعن أبي صالح قال: قال معاوية لضرار، صف لي عليًا فقال: أو تعفيني، قال: لا أعفيك، قال: أما إذ لا بد فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلًا ويحكم عدلًا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، وكان والله غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما خشب، كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، ويبتدينا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه ... إلى أن قال: فأشهد بالله تعالى لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه [3] ، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضًا على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين فكأني أسمعه يقول: يا دنيا، يا دنيا أبي تعرضت أم بي تشوقت؟ هيهات هيهات غري غيري، وقد طلقتك ثلاثًا لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، قال: فذرفت دموع معاوية فما يملكها، وهو ينشفها بكمه،

(1) رواه البخاري - كتاب الصلاة - باب نوم الرجال في المسجد رقم 441، ومسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب (5) - فضائل علي بن أبي طالب رقم الحديث (2409) وتمام الحديث: عن سهل بن سعد قال: استُعمل على المدينة رجل من آل مروان، قال: فدعا سهل بن سعد، فأمره أن يشتم عليًا، قال: فأبى سهل، فقال له: أما إذا أبيت فقل: لعن الله أبا تراب، فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب، وإن كان ليفرح إذا دعي بها فقال له: اخبرنا عن قصته. لم سمي أبا تراب؟ قال: جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت فاطمة، فلم يجد عليًا في البيت وقال: (( أين ابن عمك ) )فقالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني فخرج فلم يَقِلْ عندي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإنسان (( انظر أين هو؟ ) )فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقه، فأصابه ترابٌ فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسحه عنه ويقول: (( قم أبا التراب، قم أبا التراب ) ).

(2) (( انظر: مختصر منهاج القاصدين 106.

(3) (( سجوف الليل: ظلامه أو ظلماته. انظر: معجم اللغة 3/ 108 مادة سجف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت