لم يرد أي دليل تأريخي من أن معاوية قد دس السم على الحسن - رضي الله عنه -، إنما هذا الافتراء قد أحدثته الرافضة الشيعة كما يقول ابن خلدون: (وما نقل من أن معاوية دس إليه السم مع زوجته جعدة بنت الأشعث، فهو من أحاديث الشيعة وحاشا لمعاوية من ذلك) [1] .
قال الإمام ابن تيمية في منهاج السنة [2] فيما تزعمه الشيعة من أن معاوية سم الحسن: (لم يثبت ذلك ببينة شرعية، ولا إقرار معتبر، ولا نقل يجزم به، وهذا مما لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم، فالحقد يعمي البصيرة ويؤجج الغضب، وها هي الرافضة تُلَّبسُ دس السم بمعاوية، بينما طلب الإمام الحسين - رضي الله عنه - من الحسن أن يخبره بالذي دس له السم فأمتنع ولم يخبره [3] .
فقد أورد الأمام الذهبي في السير [4] عن قتادة: قال الحسن للحسين قد سقيت السم غير مرة، ولم أسق مثل هذه، أني لأضع كبدي، فقال: من فعله؟ فأبى أن يخبره.
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام [5] : (قلت: هذا لا يصلح فمن الذي أطلع عليه) .
وعن أبي عوانة عن مغيرة، عن أم موسى أن جعدة بنت الأشعث بن قيس، سقت الحسن السم، فأشتكى، فكانت توضع تحته طشت، وترفع أخرى نحوًا من أربعين يومًا [6] .
وقد ذكر الأمام ابن تيميه أن الحسن - رضي الله عنه - مات بالمدينة وأن معاوية كان بالشام [7] .
فبهذا الخبر يستبعد أن معاوية هو الذي دس السم للحسن - رضي الله عنه -.
وقال ابن عربي: (فإن قيل: دس على الحسن من تسمَّه، قلنا هذا محال من وجهين: أحدهما: أنه ما كان ليتقي من الحسن بأسًا وقد سلم الأمر، الثاني: أنه أمر مغيب لا يعلمه إلاَّ الله فكيف تحملونه - بغير
(1) (( تاريخ ابن خلدون: 2/ 527.
(3) (( وهذا الخبر يدل على أن الحسن كان يعلم بالذي سمه , فعن عمير بن إسحاق قال: دخلنا على الحسن بن علي نعوده، فقال لصاحبي: يا فلان سلني، ثم قام من عندنا، فدخل كنيفًا، ثم خرج فقال: إني والله قد لفظت طائفة من كبدي قلبتها بعود، وإني سقيت السم مرارًا فلم اسق مثل هذا، فلما كان الغد أتيته وهو يسوق , فجاء الحسين , فقال: أي أخي أنبئني من سقاك؟ قال: لِمَ، لتقتله؟ قال: نعم , قال: ما أنا محدثك شيئًا , إن يكن صاحبي الذي أظن , فالله أشد نقمة , وإلاَّ فو الله لا يقتل بي بريء. أخرجه أبو نعيم في الحلية: 2/ 38 من طريق محمد بن علي , حدثنا أبو عروبة الحراني حدثنا سليمان بن عمر بن خالد بهذا الإسناد.
(5) (( تاريخ الإسلام ص 40.
(6) (( انظر: السير 3/ 275.
(7) (( انظر: المنتقى من منهاج الاعتدال ص 266، العواصم من القواصم ص 194.