ذهب علماؤنا إلى أن ولاية العهد تمر بمرحلتين، مرحلة الترشيح، ومرحلة البيعة.
يقول الدكتور البياتي ما نصه: (ولاية العهد، أو الاستخلاف معناها أن يعهد الإمام السابق إلى إمام بعده [1] ، وهو ما حصل من أبي بكر - رضي الله عنه -، إذ عهد بالخلافة من بعده إلى عمر بن الخطاب، فما هو تكييف هذا العهد [2] ؟، وهل ينافي حق الأمة في الاختيار؟ والظاهر من أقوال العلماء أن التكييف الشرعي لولاية العهد أنها لا تزيد على ترشيح من يصلح للخلافة لتبايعه الأمة بعد ذلك برضاها، فان بايعته انعقدت له الإمامة، وإن رفضت بيعته، أو بايعت غيره سقط الترشيح السابق له، وكأنه لم يكن، وبهذا تبقى الأمة هي صاحبة القول الفصل في اختيار الحاكم، ويدل على صحة فهمنا لولاية العهد على أنها ترشيح ما قاله أبو يعلى في الأحكام السلطانية:(يجوز للإمام أن يعهد إلى إمام بعده .. ولأن عهده إلى غيره ليس بعقد الإمام) ، وقوله أيضًا: (لأن الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد وإنما تنعقد بعقد المسلمين ... بدليل أنه لو كان عقدًا لها لأفضى ذلك إلى اجتماع إمامين في عصر واحد، وهذا غير جائز .. ، إن إمامة المعهود إليه تنعقد بعد موته - أي الإمام القائم - باختيار أهل الوقت) [3] فهل أصرح من هذه الأقوال في أن الإمامة لا تنعقد ولا تثبت بمجرد العهد، وإنما باختيار أهل الحل والعقد؟ وعلى ذلك يكون التكييف الشرعي للعهد، أنه ترشيح للخلافة فقط) [4] .
فالمعهود إليه لا يمكن أن يصبح خليفة حتى تتم بيعته من قبل أهل الحل والعقد، ولهذا يشير الدكتور البياتي إلى ذلك فيقول: (فما لم يعلن أهل الحل والعقد اختيارهم الصريح وبيعتهم الصريحة لا يصير المعهود إليه - أي المرشح - خليفة، وقد نبه إلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو يتكلم عن الإمامة ويرد على من يقول أنها تنعقد بأربعة أو اثنين أو واحد فقال:(فليست هذه أقوال أئمة أهل السنة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إماما حتى يوافقه أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إمامًا .. وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر، إنما صار إمامًا لما بايعوه وأطاعوه، ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إمامًا) [5] . فهل أصرح من هذا في أن العهد ليس
(1) (( قال الماوردي في(الأحكام السلطانية) ص 4 , وأبو يعلى ص 7: (الإمامة تنعقد من وجهين أحدهما باختيار أهل الحل والعقد , والثاني بعهد الإمام من قبله) .
(2) (( هذا مصطلح يستخدمه أهل القانون على الحوادث التي هي محل البحث.
(3) (( انظر: أبو يعلى ص 9 و 10.
(4) (( انظر: الدولة القانونية والنظام السياسي الإسلامي ص 467.
(5) (( انظر: منهاج السنة: 1/ 141 و 142.