أكثر من ترشيح؟ وعلى ذلك فإن ولاية العهد بتكييفها الشرعي الذي أوضحناه لا تنافي حق الأمة في الاختيار مطلقًا) [1] .
فهل يحتاج القول إلى تأويل أو تكييف شرعي غير ما تقدم؟، فلو أرادت الأمة أن تمنع انعقاد ما عهده معاوية لابنه يزيد لتحقق لها ذلك، لأنها كانت قوية مصانة بوجود صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم.
وقد نبه بعض علماء القانون العام أيضًا إلى العهد بمعنى الترشيح، وذلك بأنه يتم اختيار الخليفة على مرحلتين، مرحلة الترشيح، ومرحلة البيعة، وقد تم الترشيح عن طريق الاستخلاف من الإمام القائم قبل موته، وهذا ما حدث حينما استخلف أبو بكر عمر بن الخطاب ليتولى الإمامة بعد وفاته، ولكن الترشيح يتم بواسطة الأخيار من أبناء الأمة، وهم من اصطلح على تسميتهم بـ (أهل الحل والعقد) ، وبعد انعقاد الترشيح يبايع المسلمون في المسجد، والبيعة شبيهة بالاستفتاء الشعبي [2] .
وفعلًا قام معاوية - رضي الله عنه - بعرض الموضوع على كبار الصحابة لينظروا في تنصيب يزيد واليًا للعهد من بعده مجرد ترشيح للإمامة فقط.
يقول ابن خياط في تاريخه [3] : (سنة إحدى وخمسين، وفيها أخذ معاوية الناس بالبيعة ليزيد) .
وينقل إلينا رواية عن الزهري عن ذكوان مولى عائشة، قال: لما أجمع أن يبايع لابنه يزيد [4] حجَ فقدم مكة في نحو من ألف رجل، فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر ابنه يزيد، فقال من أحق بهذا الأمر منه [5] .
ثم ارتحل فقدم مكة فقضى طوافه، ودخل منزله، فبعث إلى ابن عمر، فتشهد، وقال: أما بعد يا ابن عمر: فإنك قد كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك أمير، وأني أحذرك أن تشق عصا
(1) (( انظر: الدولة القانونية ص 468.
(2) (( انظر: أحوال الفكر السياسي والنظريات والمذاهب السياسية الكبرى، د. ثروت بدوي ص 119.
(3) (( ص 202.
(4) (( يروى عن الحسن أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أشار إلى معاوية ببيعة ابنه ففعل , فقيل له ما وراك؟ قال وضعت رجل معاوية في غَرْزِغيٍّ لا يزال فيه إلى يوم القيامة , قال الحسن: فمن أجل ذلك بايع هؤلاء أولادهم , ولولا ذلك لكانت شورى. انظر: السير: 4/ 39.
(5) (( قد يرى الإمام اختيار وليًا للعهد من بعده فيه مصلحة للمسلمين , وفيه وحدتهم وصلاحهم , ولدرء مفسدة قد تقع , والاختيار هذا يكون وفق مؤشرات وكفاءات يعتمد عليها في ذلك، وهو المسؤول في ذلك أمام الله عز وجل، فهو يجتهد لما يرى فيه من الأهلية ما تؤهله لذلك , ويزيد كان قائدًا عسكريًا في خلافة أبيه، فلم يختاره إلاَّ بعد أن وجد فيه مؤهلات الإمارة , ومع هذا فلا بد من موافقة الأمة على تعيينه وتوليته.