والحمد لله رب العالمين، فإن السنة مصانة محفوظة بحفظ الله لها، وذلك بأن الله عز وجل هيأ لها رجالًا أفذاذًا مخلصين لله ولرسوله تصدوا لهذه المحاولات، فوضعوا شروطًا في منتهى الدقة للجرح والتعديل، فضبطوا من خلالها الرواة من ناحية الحفظ والثقة والضعف والكذب، ولكن هذه الافتراءات مستمرة عليهم، فمثلًا الاتهامات الصريحة الموجهة صوب الصحابي كاتب الوحي وأول ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه -، فلو تُرك الرد عليهم، وَصُدِّقُوا على كذبهم، لنبذنا وراء ظهورنا مائة وثلاثة وستين حديثًا - مبثوثة في بطون كتب الحديث - في مختلف مجالات الحياة، فهل مثل هذا يصح؟ كلا.
لذا وجب على كل من يحب الصحابة الرد على مختلقي المزاعم والافتراءات الباطلة، والأكاذيب حولهم بالأساليب العلمية المعقولة لدحض حججهم الواهية، والله المعين.
ولا يخفى على كل عاقل لبيب، أنه قد ظهر وعلى تعاقب الأزمنة ممن يؤرخون الحوادث والمناسبات، لا على حساب الحق والإنصاف، وإنما إرضاءً لأهوائهم، أو لتعصبهم المذهبي الأعمى، وقد ابتلي تأريخ أمتنا الإسلامي بمثل هؤلاء الحاقدين المفترين قديمًا وحديثًا، ولاسيما من مؤرخي الرافضة.
لهذا كله كان الواجب الحتمي على علماء أمتنا تهذيب التأريخ الإسلامي وتنظيفه وتنقيته من شرِّ هؤلاء الحاقدين وأقلامهم المسمومة على صفوة الأمة صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، هذا من جانب، ومن جانب أخر لزم علينا أن نحسن الظن بهم - رضي الله عنهم -، فهم الذين اختارهم الله عز وجل لحمل هذا الدين ونشره في أرجاء الأرض، وقد بذلوا أقصى ما بوسعهم لذلك، ولقد صدق عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - في وصفهم حيث قال: (إن الله تعالى نظر في قلوب العباد، فوجد قلبَ محمدٍ خيرَ قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - فوجد قلوبَ أصحابه خيرَ قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئًا، فهو عند الله سيئ) [1] .
وكل ما حدث بينهم - رضي الله عنهم - فهو أمر حتمي قدري، فيه عبرة، أو تشريع لنا وللأجيال التالية، وفعلًا حدث هذا، فقد قَعَّدَ الفقهاء القواعد الفقهية والتشريعية، ليستنير بها العلماء وطلبة العلم ممن بعدهم، بالإضافة إلى ذلك، فإننا نكل نياتهم إلى الذي يعلم السر وأخفى.
(1) (( أخرجه احمد: 1/ 379 برقم(3600) ، وفي فضائل الصحابة (541) ، والطبراني في الأوسط: برقم (8582) و (8583) و (8593) وسنده حسن، وصححه الحاكم 3/ 78، ووافقه الذهبي، وأورده الهيثمي في المجمع 1/ 177 - 178 وقال: رواه أحمد والبزار ورجاله موثوقون. وفي كشف الخفاء 2/ 1211: هو موقوف حسن، وعلق شعيب الارنؤوط على رواية أحمد قائلًا: إسناده حسن.