کما جعل صلى الله عليه وسلم الأمان الصادر من أحد أفراد المسلمين أمانا معتبرا لدى المسلمين، حتى لو كان ذلك المسلم أدنى مرتبة فيهم، ففي عام الفتح
جاءت أم هاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! زعم ابن أمي أنه قاتل رجلا قد أجرته، فلان بن هبيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانيه).
وقال صلى الله عليه وسلم: « ... ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أمن كافرا ولو كان أدنى المسلمين مرتبة، حرم على غيره التعرض له).
فكان ذلك الذي سار عليه الخلفاء والقادة من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. فهذا أبو بكر رضي الله عنه يحث الجند والقادة على التحلي والاتصاف بالوفاء، ويحذرهم من الغدر والخيانة)، فكان المسلمون يواجهون أعداءهم ويجدون منهم الشدة والقوة والبأس في القتال، ومع ذلك فإنهم إذا طلبوا الصلح أجابوهم إليه، ووفوا لهم به، رغم قدرة المسلمين على الظهور عليهم وأخذهم عنوة. بل لقد بلغ حرص المسلمين على الوفاء بالعهد، أنه لو أشار أحد جندهم إشارة فهم منها العدو أن فيها أمانا عند المسلمين، فإنهم يجرون ذلك مجرى الأمان. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه موصيا جنده وقادته. وحاثا إياهم على الوفاء بالعهد: « ... فإن
(1) بنت أبي طالب بن عبد المطلب بن هشام الهاشمية، اسمها ناخنة، وقيل فاطمة،
وقيل هند، ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم، لم تكن من المهاجرات، عاشت بعد علي، انظر اين
حجر، الإصابة، ج 4 ص 479 - 480
(2) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب 94
(3) صحيح مسلم، کتاب الحج، باب فضل المدينة.
(4) انظر صحيح مسلم بشرح النووي، ج 9 ص 144.
(5) انظر تاريخ الطبري، ج 3 ص 224 - 227؛ وانظر ابن الأثير، الکامل، ج 2 ص 227.