إن الكتابين اللذين يعالجان الحرب الثورية - نظريتها وممارستها، إذا صح القول - هما الكتابان الوحيدان اللذان كتبهما تشي بصفتهما كتابين بنائين. لكنهما لم يكونا كل ما كتب تشي - وقال. بالعكس: اهتم منذ البداية بالأوجه الأخرى للثورة، وعبر عن هذه الاهتمامات سواء بشكل خطب، أو بشكل مقالات أو محاولات. وعالج، في كتبه، مسائل تتعلق بالتمرد، أي بالثورة قبل أن تستلم الحكم، في أول كانون الثاني 1959، وتصدى في خطبه ومقالاته، بصورة عامة، للمشكلات التي كانت تعترض الثورة بعد تسلمها الحكم. ولم تكن هذه المشكلات، من وجهة نظر فكرية، أقل تعقيدًا من سابقاتها، ويحق لنا أن نعتقد أنها أكثر تعقيدًا وتتطلب من القادة دأبًا كبيرًا في التخمين النظري وفي التطبيق العملي المناسب. وكان هؤلاء القادة، من جهة أخرى، قد وصلوا إلى السلطة في ريعان الشباب. فلم يكن فيدل كاسترو نفسه، عام 1959 يتجاوز الثلاثين من العمر إلا قليلاًُ. وسيقدم لنا هؤلاء الرجال مشهدًا غير معتاد: فبدلًا من أن يعيش هؤلاء الشباب طي الكتمان تطورًا فكريًا قلما يكون غيرهم مطلعًا عليه لحظة العمل التاريخي، سيتطورون على مرأى ومسمع من الجميع. وسينهون تكوينهم عراة الجذور. لا لأنهم وصلوا إلى السلطة دون صفات كافية - للتثبت من الصلابة التي انطلقوا بها إلى القتال. نعيد إلى الذاكرة فقط الدفاع الرائع الذي ألقاه فيدل كاسترو عام 1952."سينصفني التاريخ"-، بل إن هذه الصفات ستنضج في الحكم، بمجابهة المشكلات الجديدة الهائلة. وسط واقع معقد، دولي وقومي على السواء، سيكون من الواجب جلاء غوامضه واحدا بعد الآخر. فكان السؤال الأول الذي وجب إذًا أن يطرحوه على أنفسهم هو ما هي الثورة. ما هي النظرية الثورية لهذا العمل الثوري؟