نصل إلى النتيجتين اللتين تنتجان منطقيًا مما أسلفنا. النتجية الأولى هي أنه، في إطار حرب الغوار، تتناسب شروط التحضُّر عكسًا مع درجة تطور المنطقة المعنية. فالمرافق تدفع الإنسان إلى التحضر، ولكن العكس هو الذي يحدث بصدد الغوار: فكلما لاقى المغاور رفاهًا أكبر أصبحت حياته أقل ثباتًا وأكبر بداوة. إن عنوان هذا الفصل هو بالضبط"الحرب في الأرض المجافية"لأن كل ما هو لحياة الإنسان وما ينتج عنه من مواصلات، ومراكز مدينة، أو نصف مدنية، وتجمعات السكان الكبرى، والأراضي التي يسهل شغلها بالآلة، كل ذلك مما يجافي وضع المغاور.
والنتجية الثانية: إذاكان الغوار يستلزم بالضرورة عملًا جماهيريًا هامًا، فإن هذا العمل يزداد أهمية في المناطق المجافية، حيث يمكن لهجوم واحد من العدو أن يسبب نكبة. ينبغي ههنا أن تكون الدعاية مستمرة لتحقيق وحدة العمال والفلاحين وسائر الطبقات الاجتماعية في المنطقة، للتوصل إلى جبهة داخلية متجانسة تمامًا ومتفقة مع المغاوير. والنظر إلى هذا العمل الجماهيري الدائب بصفته العامة كعلاقات بين الغوارة وبين سكان المنطقة، لا يجيز نسيان الفردية لعدو مكابر ينبغي إزالته بلا ندم إذا ما شكَّل خطرًا. وينبغي أن تكون الغوارة صارمة بهدا الصدد. فلا يمكن بقاء أعداء داخل منطقة العمليات، في أماكن غير أمنية.
إذا ما صار الأمر في مرحلة معينة من حرب الغوار، إلى مهاجمة المدن، بعد التوغل في الريف المجاور على نحو يتيح إنشاء الغوارات فيه بشيء من الأمان، يلزم عندئذ تزويدها بتنظيم خاص.