الصفحة 120 من 376

لم يكن لها وجود أصلا في أية دولة في العالم قبل عام 1774. ولا نستثني من حكمنا هذا الديموقراطية الأثينية في زمن بركليز حيث إنها لم تكن تحترم دائما حقوق الفرد (13) . فإن أحصينا عدد السنين التي شهدت إنتاج المصانع وشهدت السيارات والمدن ذات الملايين من السكان، وجدناه عددا ضئيلا أيضا بالمقارنة بالعهود بالغة الطول التي عرفت ممارسات مثل الرق، والملكيات الوراثية، وزيجات الأسر الحاكمة. غير أن المهم في الأمر ليس كثرة الحدوث وطول الأمد، بقدر ما هو الاتجاه العام. ففي العالم المتقدم، لا يزيد احتمال عودة نظام الرق، على احتمال اختفاء المدن والسيارات في المستقبل القريب.

مع هذه الخلفية إذن يكتسب الطابع العالمي الملحوظ للثورة الليبرالية الراهنة أهمية خاصة. فهو يشكل دليلا جديدا على أن ثمة اتجاها أساسيا يفرض على المجتمعات البشرية كلها نمطا واحدا في تطورها، هو بإيجاز بمثابة تاريخ عالمي للبشرية متجه صوب الديموقراطية الليبرالية. ولا يمكن إنكار وجود القمم و الوهاد في مثل هذا التطور. غير أن الإشارة إلى فشل الديموقراطية الليبرالية في هذه الدولة أو تلك، أو حتى في منطقة بأكملها من العالم، كدليل على الضعف العام في الديموقراطية، إنما يدل على قصور شديد في الفكر. قالدورات والانقطاعات في حد ذاتها لبست متناقضة مع تاريخ غائي و عالمي، تماما كما أن الدورات التجارية لا تتنافي مع احتمال نمو اقتصادي طويل الأمد.

ولا يقل في الأهمية عن تزايد عدد الديموقراطيات، قدرة الحكومة الديموقراطية على الانتشار من معقلها الأصلي في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية إلى بقاع أخرى من العالم لا تشارك هائين المنطقتين في التقاليد السياسية والدينية و الحضارية، وإحرازها تقدما ملموسا في تلك البقاع. وقد كان يقال في الماضي إن ثمة تقاليد أيبيرية واضحة هي تقاليد و استبدادية، أبوية، كاثوليكية، طبقية، تضامنية، وشبه إقطاعية، من قمة رأسها إلى اخمص قدميها (14) . وبالتالي فقد كان تطبيق معايير الديموقراطية الليبرالية السائدة في أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة على أسبانيا أو البرتغال أو دول أمريكا اللاتينية، يعتبر من قبيل التعالى العنصري أو الدوران حول الذات الاثنية (15) . ومع ذلك فإن هذه المعايير العالمية للحقوق هي نفسها التي تلتزم بها الشعوب الأيبيرية، مع ملاحظة أن أسبانيا والبرتغال قد أضحتا منذ منتصف السبعينيات دولتين ديموقراطيتين مستقرئين مرتبطتين ارتباطا وثيقا بأوروبا المتجهة صوب الوحدة الاقتصادية. وهذه المعايير نفسها نجدها مقبولة ومفهومة لدى شعوب أمريكا اللاتينية، وأوروبا الشرقية، وآسيا، والكثير من مناطق العالم الأخرى أيضا. وقد يوحى هذا النجاح للديموقراطية في مناطق متباينة وبين شعوب كثيرة مختلفة بأن مباديء الحرية والمساواة التي تقوم عليها لم تظهر مصادفة ولا هي من نتاج تعصب عنصري، وإنما هي في حقيقتها اكتشافات الطبيعة الإنسان باعتباره انسانا، لاتتضاءل صحتها بل تزداد اتضاحا بازدياد عالمية نظرتنا.

وسؤالنا عما إذا كان ثمة تاريخ عالمى للبشرية يأخذ في اعتباره تجارب كافة العصور وكافة الشعوب، ليس سؤالا جديدا. فالسؤال قديم جدا وإن كانت الأحداث الأخيرة تضطرنا إلى إعادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت