الصفحة 284 من 376

غير أنه لإقرار السلم وحماية الحق في الحياة لابد من دفع الثمن. ويرى هوبز أنه من الضروري عند إبرام العقد الاجتماعى الاتفاق على تخلي الناس عن غرورهم وكبريائهم الظالم في مقابل الحفاظ على وجودهم المادي. ومعنى ذلك أنه يطالب الناس بالكف عن صراعهم من أجل نيل الاعتراف والتقدير، وخاصة صراعهم من أجل الاعتراف بتفوقهم القائم على أساس استعدادهم للمخاطرة بحياتهم في معركة من أجل المنزلة. فالإنسان الذي يسعى إلى إثبات تفوقه على غيره، وإلى السيطرة عليهم بفضل تميزه ونبل شخصيته وجهاده ضد بشريته المحدودة، ينبغي إقناعه بحماقة كبريائه، ولذا فإن المذهب الليبرالي النابع من كتابات هويز يعادي تلك القلة الساعية إلى تجاوز طبيعتها الحيوانية، ويضطرها إلى الإذعان لعاطفة هي أدنى صفة مشتركة بين البشر، وهي الحفاظ على الذات. فالواقع أنها صفة لا يشترك فيها البشر وحدهم، بل والحيوانات الدنيا أيضا. ويعتقد هوبز، عكس هيجل، أن الرغبة في تيل الاعتراف والتقدير، واحتقار الإنسان النبيل لمجرد الحياة، ليسا بداية حرية الإنسان، وإنما هما مصدر شقانه (10) . وهذا هو سر العنوان الذي أطلقه هوبز على أشهر كتبه، و الوحش البحري المخيف .. ذلك، أن الله حين أسبغ على ذلك الوحش قوته الهائلة، أسماه بملك المتكبرين. وقد شبه هوبز الدولة بهذا الوحش حيث إنها سيدة المتكبرين (1) . فالوحش هنا لا يشبع هذا الكبرياء، وإنما يقمعه.

وإنها لمسافة قصيرة جدا تلك التي تفصل بين هويز وبين اروح عام 1774، والديموقراطية الليبرالية الحديثة. لقد كان هويز يؤمن بسيادة الملك المطلقة، لا لأن الملوك لهم حق أصيل في السيادة، وإنما لاعتقاده بإمكان أن يتمتع الملك بما يشبه رضا الرعية. وقد ذهب إلى أن رضا الرعية قد يتحقق من خلال انتخابات حرة تقوم على أساس الاقتراع السري العام وتعدد الأحزاب

وهو ما نصر اليوم عليه)، وقد يتحقق أيضا عن طريق نوع من الموافقة الضمنية المتمثلة في استعداد المواطنين للعيش في ظل حكومة معينة والإذعان لقوانينها (13) . وعنده أن ثمة فارقة كبيرة وأضحا بين الاستبداد والحكومة الشرعية، حتى لو بدا الاثنان متشابهين في الظاهر، (حيث إنهما يأخذان شكل الملكية المطلقة) . فوراء الحاكم الشرعي - دون الطاغية - رضا الرعية. ويعكس تفضيل هوبز لحكم الفرد على الحكم البرلماني أو الديموقراطية اعتقاده بضرورة وجود حكومة قوية تقمع كبرياء المتكبرين، لا لأنه كان ينكر مبدأ سيادة الشعب.

ووجه الضعف في حجة هوبز هو أن الملوك الشرعيين يميلون إلى الانزلاق تدريجية تجاه الاستبداد، وكثيرا ما يكون من الصعب، دون الية المؤسسات كالانتخابات التي تسجل رضا الرعية، أن نعرف ما إذا كان هذا الملك أو ذاك يتمتع بمثل هذا الرضا. ولذا فقد كان من السهل نسبيا على جون لوك أن يعدل من نظرية هوبز بشأن سيادة الملك لتصبح نظرية في السيادة البرلمانية أو التشريعية قائمة على أساس حكم الأغلبية. ويتفق لوك مع هوبز على أن غريزة حب البقاء هي أهم العواطف طرأ، وأن الحق في الحياة هو الحق الرئيسي الذي تتفرع منه سائر الحقوق الأخرى. ورغم أن فكرته عن وضع إنسان الطبيعة أرق ملامح من ملامح فكرة هو بز، فهو يوافقه على أنه يميل إلى التدهور إلى حال من الحرب أو الفوضى، وأن الحكومة الشرعية تنشأ عن الحاجة إلى حماية الإنسان من عنقه. غير أن توك يشير إلى أن الملكية المطلقة قد تنتهك حق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت