الصفحة 310 من 376

الاقتصادية نادرا ما تصور في الحياة السياسية على أنها مجرد مطالبة بالمزيد، وإنما تصاغ في عبارات مثل و العدالة الاقتصادية. وعرض المطلب الاقتصادي في صورة مطالبة بالعدالة مع النفس يمكن أن يصدر باعتباره عملا من أعمال الأثرة الخالصة. غير أن هذه المطالبة غالبا ما تعكس القوة الحقيقية للثيموس من جانب أناس يؤمنون شعورية أو لا شعورية بأن كرامتهم في خطر وهم في خضم نزاع على المال. والواقع أن الجانب الأكبر مما يفسر عادة بالحافز الاقتصادي لا ينطوي إلا على مجرد الرغبة في الاعتراف، وهو ما كان يدركه جيدا آدم سميث أبو الاقتصاد السياسي. ففي كتابه: نظرية المشاعر الأخلاقية، يذهب سميث إلى أن سبب سعى الناس وراء الثراء وتجنب الفقر لا صلة كبيرة بينه وبين الحاجات المادية .. فأجر أوضع العمال شأنا، يمكنه من مجابهة احتياجات الطبيعة، كالطعام و الكساء والمأوى والعائلة، كما أن جانبا كبيرا من الأجر الذي يحصل عليه حتى أفقر الناس ينفق على، كماليات أو أشياء غير ضرورية،. فلماذا إذن يسعي الناس إلى الحسين أحوالهم، ويلجون خضم العمل الشاق والحياة الاقتصادية؟ الإجابة هي:

رغبتهم في أن يلاحظهم الآخرون، وأن يحترموهم، ويتعاطفوا معهم، ويقروا مسلكهم، وهي كل الامتيازات الناجمة عن الثراء. إنها الخيلاء، لا الراحة ولا اللذة، تلك التي تعنينا. غير أن الخيلاء تقوم دائما على الاعتقاد بأننا محط الاهتمام والاحترام. فالغني يزهو بثروته لأنه يشعر أنها تجلب له اهتمام العالم، وأن البشر يميلون إلى مسايرته في كل عواطفه الناجمة عن مزايا وضعه ... أما الفقير فيخجل من فقره لأن الفقر لا يجعله محط أنظار الناس، فإن وقعت عليه أنظارهم فإنهم لن يتعاطفوا مع بؤسه وما يعانيه من شقاء ... , (3) .

وثمة مستوى من الفقر يدفع الناس إلى خوض معترك النشاط الاقتصادي من أجل إشباع رغبات طبيعية، كما حدث في الثمانينيات حين اجتاح الجفاف الساحل الإفريقي. أما بالنسبة لمعظم أنحاء العالم الأخرى فإن الفقر والحرمان هما مفهومان نسبيان لا مطلقان ناجمان عن دور المال باعتباره رمزا لقيمة المرء (4) . ونلاحظ أن أحد الفقر و الرسمي في الولايات المتحدة يمثل مستوى المعيشة أعلى بكثير من مستوى معيشة الأغنياء في بعض دول العالم الثالث، ولا يعني هذا أن فقراء الولايات المتحدة هم أكثر رضا بحالهم من الأغنياء في إفريقيا أو جنوبي آسيا، وذلك بالنظر إلى أن إحساس الفقراء الأمريكيين بقيمتهم الذاتية يصادف يومية من الإذلال ما يفوق ما يلقاه غيرهم. وإن ملاحظة لوك من أن د مستوى طعام ومسكن وملبس ملك في أمريكا هو دون مستواها عند عامل يومي في انجلترا، إنما هي ملاحظة تغفل وضع الثيموس في الاعتبار، وتفقد بالتالي كل وزن. ذلك أن لدي الملك في أمريكا إحساسة بالكرامة مفقودة تماما عند العامل اليومي الإنجليزي، وهي كرامة وليدة ما يتمتع به من حزية واكتفاء ذاتي و احترام واعتراف. قد يأكل العامل اليومي طعاما أفضل، غير أنه عالة على مستخدمه الذي لا يشعر بوجوده.

إن القصور في فهم عنصر الثيموس فيما يسمى عادة بالحافز الاقتصادي يؤدي إلى إساءة بالغة إلى فهم السياسة والتطور التاريخي، فمن الشائع من تأكيد أن الثورات تنجم عن الفقر والحرمان، أو أن ازدياد الفقر والحرمان يزيد من إمكانية الثورة. غير أن دراسة توكفيل الشهيرة للثورة الفرنسية توضح أن العكس تماما هو الذي حدث. ففي السنوات الثلاثين أو الأربعين السابقة على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت