الصفحة 312 من 376

الثورة، شهدت فرنسا فترة من النمو الاقتصادي لا مثيل لها من قبل، كما شهدت سلسلة من الإصلاحات الليبرالية حسنة النية (وإن كانت ضعيفة الأساس) من جانب الملكية الفرنسية. وقد كان الفلاحون الفرنسيون أرغد حالا بكثير وأكثر استقلالية عشية الثورة من فلاحي سيليزيا أو بروسيا الشرقية، وكذا الطبقة المتوسطة. غير أنهم أضحوا وقود الثورة نظرا إلى أن تطبيق الليبرالية في الحياة السياسية قرب نهاية القرن الثامن عشر سمح لهم بان يشعروا بحرمانهم النسبي على نحو أكثر حدة من شعور البروسيين، وبأن يعبروا عن غضبهم إزاءه (*) . ونلاحظ في عالمنا المعاصر أن أفقر الدول وأغناها هي وحدها الدول المستقرة. أما أقلها تمتعة بالاستقرار السياسي فتلك الدول الأخذة في تحديث اقتصادها حيث إن النمو نفسه يثير التطلعات والمطالب الجديدة. ويميل الناس إلى مقارنة وضعهم لا بوضع المجتمعات التقليدية، وإنما بوضع الدول الغنية، فيثور بالتالي غضبهم، وما، ثورة التطلعات الناشئة و التي كثيرا ما نلاحظها إلا ظاهرة ثيموسية كالثورة الناجمة عن الرغبة (1) .

وثمة حالات أخرى يختلط فيها مفهوم الثيموس بمفهوم الرغبة , فالمؤرخون الذين يحاولون تفسير الحرب الأهلية الأمريكية عليهم أن يشرحوا سبب استعداد الأمريكيين وقتها لاحتمال عذاب رهيب ناجم عن حرب قتل خلالها ستمائة ألف رجل من مجموع السكان البالغ عددهم 31 مليونة، أي نحو 2 في المائة من السكان. وقد حاول عدد من مؤرخي القرن العشرين المؤمنين بالعوامل الاقتصادية أن يفسروا الحرب باعتبارها نزاعا بين الشمال الرأسمالي الصناعي والجنوب الزراعي التقليدي، غير أن مثل هذه التفسيرات غير كافية. فقد نشبت الحرب أساسية تحت شعار أهداف غير اقتصادية: هي عند الشمال الحفاظ على الاتحاد، وعند الجنوب الحفاظ على مؤسساتهم الخاصة بهم و أسلوب الحياة الذي تمثله. غير أنه كان ثمة سبب آخر أدركه إبراهام لينكولن (وهو الأكثر حكمة من المفسرين اللاحقين) حين قال إن، كل الناس يعرفون أن الرق هو سبب الصراع،، فالكثيرون من أهل الشمال كانوا بطبيعة الحال معارضين لتحرير الرفيق، وكانوا يأملون في تسوية سريعة للحرب عن طريق الوصول إلى حل وسط. غير أن تصميم لينكولن على استمرار الحرب إلى النهاية، وهو تصميم يتضح من خلال إعلانه الحازم أنه مستعد لقبول استمرار الحرب ا حتى لو أنت على الثروة التي جمعها الرقيق خلال قرنين ونصف قرن من الجهد غير المأجور،، تصميم غير مفهوم في ضوء الاعتبارات الاقتصادية، ولا يمكن فهمه إلا في ضوء الثيموس .

وهناك أمثلة لا حصر لها للرغبة في الاعتراف نجدها في السياسة الأمريكية المعاصرة , فحق الإجهاض مثلا كان من أشد المسائل حساسية في المجتمع الأمريكي بالنسبة للجيل الماضي، هو مع ذلك مسألة لا يكاد يكون لها مضمون اقتصادي (9) . وتتركز مناقشة موضوع الإجهاض على تصارع حق الجنين وحق المرأة، غير أن الموضوع في حقيقة الأمر يعكس خلافة أعمق حول الكرامة النسبية للعائلة التقليدية ودور المرأة فيها من جهة، ودور المرأة العاملة المتمتعة بالاكتفاء الذاتي من ناحية أخرى. وتشعر أطراف هذه المناقشة بالغضب والتعاطف إما مع الأجنة المجهضة، أو مع النساء اللواتي يمثن على يد غير الأكفاء من الذين يجرون عملية الإجهاض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت