غير أن هذه الأطراف تغضب أيضأ لنفسها: فالأم التقليدية تغضب لأنها تشعر بأن الإجهاض يحط من قدر الأمومة، في حين تغضب المرأة العاملة لأن حرمانها من الحق في الإجهاض يحط من كرامتها كمساوية للرجل. كذلك فإن ذل العنصرية في أمريكا العصر الحديث يرجع جزئية إلى الحرمان المادي الناجم عن فقر السود، أما معظمه فيرجع إلى أن الأسود في نظر العديدين من البيض هو (على حد تعبير رالف إليسون) ، رجل خفنى، هو غير مكروه في العلن بالضرورة، ولكن لا ينظر إليه باعتباره من البشر. أما الفقر فيقتصر دوره على إخفاء الأسود أكثر فأكثر، والواقع أن الحريات والحقوق المدنية بأسرها، وإن انطوت على اعتبارات اقتصادية معينة، هي في جوهرها صراع يحفزه الثيموس من أجل الاعتراف بين فهمين متباينين للعدالة والكرامة الإنسانية.
وثمة جانب ثيموسي للكثير من أوجه النشاط التي يعتقد الناس عادة أنها ناجمة عن الرغبة الطبيعية. فاجتذاب الجنس الآخر مثلا ليم لغرض الإشباع الجسدي وحده (حيث أن الإشباع لا يحتاج دائما إلى شريك) وإنما هو يعكس أيضا حاجة المرء إلى اعتراف الأخر بأنه مرغوب فيه، والذات المعترف بها ليست بالضرورة كالذات عند السيد الأرستوقراطي في مفهوم هيجل، أو الذات الأخلاقية عند بائع الخضراوات في قصة هافيل. ذلك أن أعمق أشكال الحب الجنسي يتضمن شوقا لدى العاشق إلى اعتراف معشوقه بأكثر من مجرد ميزنه الجسدية، وهو شوق برفي إلى مصاف الاعتراف بالقدر والأهمية.
هذه الأمثلة للثيموس لا نقصد بها إثبات أن كل أوجه النشاط الاقتصادي، و الحب الجنسي، وكل نشاط سياسي، يمكن ردها إلى مجرد الرغبة في نيل الاعتراف. فالعقل والرغبة هما دائمأ جزءان من الروح مستقلان عن الثيموس. بل إنهما - من أوجه عديدة - يشكلان الجانبين المهيمنين على روح الإنسان الليبرالي الحديث. إن البشر يشتهون المال لأنهم يريدون، أشياء، لا مجرد الاعتراف. ولا شك في أنه مع تحرير قدرة الإنسان على كسب المال في مستهل العصر الحديث، تضاعف عدد وأشكال الرغبات المادية إلى حد الانفجار. وهم يشتهون الاتصال الجنسي لمجرد أنه .. متعة. وإنما أدخلت الأبعاد الثيموسية للجشع والشهوة في اعتباري لأن أهمية الرغبة والعقل في العالم الحديث تعمينا عن دور الثيموس أو دور الاعتراف في الحياة اليومية. فالثيموس كثيرا ما يعبر عن نفسه في صورة حليف للرغبة (كما في حالة مطالبة العامل بالعدالة الاقتصادية) ، وهو ما يؤدي إلى الخلط بينه وبين الرغبة.
كذلك لعبت الرغبة في الاعتراف دورا حاسما في إحداث الزلزال المناهض للشيوعية في الاتحاد السوفييتي و أوروبا الشرقية والصين. فالمؤكد أن الكثيرين في أوروبا الشرقية أرادوا وضع نهاية للنظام الشيوعي لا لاعتبارات اقتصادية سامية، كتمهيد الطريق أمام مستويات حياة شبيهة بمستواها في ألمانيا الغربية، صحيح أن النزوع الأساسي إلى الإصلاحات في الاتحاد السوفييتي والصين كان اقتصادية إلى حد ما، (بسبب عجز اقتصادات القهر المركزية عن مواجهة متطلبات مجتمع ما بعد الصناعة) . غير أن الرغبة في الرخاء صحبتها مطالبة بالحقوق الديموقراطية والمشاركة