الصفحة 328 من 376

ومع أن الرغبة في المجد خاصية عامة لدى كافة البشر (10) ، فقد رأى ماكيافيلي أنها تخلق مشکلات خاصة حين تقود الطموحين إلى الطغيان، وسائر الناس إلى العبودية، والحل الذي يعرضه لهذه المشكلة يختلف عن الحل الذي أراه أفلاطون، وقد أضحى فيما بعد خاصية لصيقة

بالأنظمة الدستورية الجمهورية التالية. فبدلا من محاولة تعليم الأمراء أو الحراس الخاضعين الهيمنة الثيموس كما نصح أفلاطون، يرى ماكيافيلى ضرورة مواجهة الثيموس بالثيموس، وأنه بالإمكان ضمان توافر قسط من الحرية لو أن الجمهوريات المختلطة وازنت بين المطامح الثيموسية للأمراء والقلة الأرستوقراطية برغبة الشعب الثيموسية في الاستقلال (11) . ولذا فإن الجمهورية المختلطة عند ماكيافيلي هي صورة مبكرة للفصل بين السلطات المعروف في الدستور الأمريكي.

وقد تلا مشروع ماكيافيلي، مشروع ربما كان أكثر طموحة قد عرضناه من قبل. فقد سعي هوبز ولوك (مؤسسة الليبرالية الحديثة) إلى استئصال الثيموس كلية من الحياة السياسية، وإحلال مزيج من الرغبة والعقل مكانها. وقد نظر هذان الليبراليان الإنجليزيان إلى الميجالوثيميا على أنها صورة من الكبرياء العنيف العنيد لدى الأمراء، أو من التعصب الديني لدى القساوسة المناضلين، وهي السبب الرئيسي للحروب. ولذا فقد شن الرجلان حربا على كافة صور الكبرياء، وحذا حذوهما في مهاجمة كبرياء الأرستوقراطية عدد من الكتاب في عصر التنوير، مثل آدم فيرجسون، وجيمس ستيوارت، وديفيد هيوم، ومونتيسكيو. ففي المجتمع المدني الذي تخيله هوبز ولوك وغيرهما من أوائل المفكرين الليبراليين الحديثين، لا يحتاج الإنسان إلا إلى الرغبة والعقل، وقد كانت البورجوازية في الواقع من صنع الفكر الحديث في المرحلة المبكرة منه، صنعها عامدا متعمدا في محاولة منه شبيهة بالهندسة الاجتماعية كي يحقق السلام الاجتماعي عن طريق تغيير الطبيعة البشرية ذاتها. وبدلا من موازنة الميجالوثيميا عند القلة بالميجالوثيميا عند الكثرة كما نصح ماكيافيلي، كان مؤسسو الليبرالية الحديثة يأملون في إمكان التغلب تماما على الميجالوثيميا عن طريق إثارة مصالح القوة الشهوانية من الطبيعة البشرية ضد انفعالات الثيموس (12) .

وقد كانت الأرستوقراطية التقليدية هي التجسيد الاجتماعي للميجالوثيميا، وهي الطبقة الاجتماعية التي أشهرت الليبرالية الحديثة الحرب عليها. فالمحارب الأرستوقراطي لا يخلق الثروة، بل يسرق الثروة من غيره من المحاربين، أو بالأحرى، من الفلاحين الذين استولي لنفسه على فائض إنتاجهم، وهو لا يتصرف على أساس من العقلانية الاقتصادية، بأن يبيع عمله لمن يعرض أعلى سعر له، بل إنه لا يعمل على الإطلاق، وإنما يحقق ذاته من خلال حياة الدعة. وتحدد معالم سلوكه اعتبارات الكبرياء والشرف التي لا تسمح له بإتيان فعل دون مستواه، کالاشتغال بالتجارة، ومع كل مظاهر الانحلال في الكثير من المجتمعات الأرستوقراطية، ترى جوهر كيان الأرستوقراطي - كما في حالة السيد البدائي عند هيجل - مرتبطة باستعداده للمخاطرة بحياته في معركة دموية. فالحرب إذن هي محور أسلوب الحياة الأرستوقراطية. والحرب - كما نعرف جيدة - ليست بالظرف المثالي لازدهار الاقتصاد. فالأفضل إذن أن نقنع المحارب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت