الصفحة 332 من 376

الاقتصادية. غير أنه ميزها عن الانقسامات الأخرى الناجمة عن الانفعالات،، وبالأخص عن أفكار الناس العاطفية عن الحق والباطل، و كالتحمس لأراء متباينة عن الدين، والحكومة، وغير ذلك من الموضوعات، أو التعلق بزعماء عديدين .. وما الآراء السياسية إلا تعبير عن حب الذات، شديد الارتباط بتقييم المرء لنفسه .. فطالما وجد الارتباط بين عقل الإنسان وحبه لذاته، فسيكون لآرائه وعواطفه تأثير متبادل، وستكون العواطف غاية يسعى العقل إلى الالتحام بها , (19) . ولذا فإن الانقسامات لا تنجم فقط عن الصدام بين القوى الشهوانية لنفوس بشر مختلفين، (أي المصالح الاقتصادية) ، وإنما أيضا عن القوى الثيموسية (17) . وهذا هو السبب في أن السياسة الأمريكية وقت ماديسون كانت تهيمن عليها اختلافات في الرأي حول مسائل مثل شرب الخمر، والدين، والرق، كما تهيمن عليها اليوم مسائل مثل الحق في الإجهاض، والصلاة في المدارس، وحرية التعبير.

وبالإضافة إلى ذلك الحشد من الآراء الانفعالية التي قد يؤكدها عدد كبير من الأفراد الضعفاء نسبيا، كان مؤلفو، الفيدرالي ا يؤمنون بضرورة تصدى الحياة السياسية لحب الشهرة الذي كان هاملتون يرى أنه، العاطفة المتحكمة في أنبل العقول (18) ، والذي يتمثل في الرغبة في المجد لدى الطموحين الأقوياء. وقد ظلت الميجالوثيميا والإيسوثيميا معضلتين تواجهان مؤسسي الجمهورية، وكان ماديسون وهاملتون بريان في الدستور الأمريكي وسيلة لا لقمع مختلف أوجه التعبير عن الثيموس، وإنما لتوجيهها في قنوات أمنة، بل ومثمرة. ولذا فقد اعتبر ماديسون الحكومة الشعبية (بما تعنيه من ترشيح الوظائف، وإلقاء الخطب السياسية، والمداولة، وتدبيج المقالات الافتتاحية، والتصويت في الانتخابات، إلى آخره) وسيلة ناجعة سليمة لإرضاء الكبرياء الطبيعي لدى الفرد، وميله إلى تأكيد الذات الثيموسية، بشرط أن تتسع لتشمل جمهورية كبيرة نسبيا، والمسار السياسي الديموقراطي هو أمر مهم، ليس فقط باعتباره سبيلا لاتخاذ القرارات، أو تجميع المصالح،، وإنما أيضأ باعتبارها مسارا،، أي مسرحا للتعبير عن الثيموس، يسعي الناس فيه إلى نيل الاعتراف بأرائهم. وعلى المستوى الأعلى (والأخطر) للميجالوثيميا لدى الطموحين العظماء، تأسست الحكومات الدستورية صراحة من أجل الاستعانة بالطموح، لمجابهة الطموح .. كما نظر إلى مختلف فروع الحكومة كوسائل لخدمة الطموحات القوية، على أن يضمن نظام الرقابة والموازنة أن تلغي تلك الطموحات بعضها البعض، فتحول بذلك دون ظهور الاستبداد. قد يتطلع سياسي أمريكي إلى أن يكون فيصر أو نابليون، غير أن النظام لا يتيح له أن يصبح أكثر من جيمي کارتر أو رونالد ريجان، محاطة بقيود قوية من المؤسسات والقوى السياسية من كل جانب، ومضطرة إلى تحقيق مطامحه بأن يكون خادمة لا سيدة للشعب.

وقد حار الكثيرون من المفكرين بصدد محاولة السياسية الليبرالية المتأثرة بهوبز ولوك استئصال الرغبة في الاعتراف من السياسية أو كبح جماحها وشلها. فالمجتمع الحديث سيصبح حينئذ - وعلى حد تعبير س. س. لويس - مكونة من. أناس لا صدور لهم،، لا يعرفون غير الرغبة والعقل، ويفتقرون إلى تأكيد الذات القائم على الكبرياء الذي كان محور إنسانية البشر في العصور السالفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت