الصفحة 334 من 376

فالصدر، كناية عن الحمية، هو الذي يصنع الرجال، وإذ بعقله فهو مجرد روح، وبشهواته فهو محض حيوان (19) . وقد كان فريدريك نيتشه (أبو النسبية والعلمية المعاصرين) أعظم وأفصح نصير للثيموس في العصر الحديث، والنبي الداعي إلى إحيائها، وهو الذي وصفه أحد معاصريه بالراديكالي الأرستوقراطي، وهو وصف لم يعترض عليه. ويمكن النظر إلى شطر كبير من مؤلفاته باعتباره رد فعل لما لحظه من بزوغ فجر حضارة كاملة أفرادها. لا صدور لهم،، حضارة مجتمع من البورجوازيين الذين لا يطمعون في أكثر من الحفاظ على حياتهم وراحتهم. ويرى نيتشه أن جوهر الإنسان ليس شهوته ولا عقله، بل في ثيموسينه، فالإنسان هو فوق كل شيء مخلوق يقيم الأشياء والأشخاص، هو: الوحش ذو الخدين الأحمرين، الذي اكتشف سر الحياة في قدرته على النطق بكلمتي، طيب، وا خبيث .. يقول زرادشت بطل كتابه:

ولقد ابتدع البشر الطيب والخبيث .. لم يأخذوا مفهوميهما عن أحد، ولا عثروا عليهما، ولا أتيا إليهم في صورة صوت من السماء. فالإنسان وحده هو الذي يقيم الأشياء، للحفاظ على نفسه، وهو الذي خلق معانيها، فهي معان إنسانية. ولذا فإنه يسمي نفسه، إنسانا.، أي المقيم.

و التقييم هو الخلق، فاسمعوا معشر الخالقين! إن إحساس الذات بقيمتها هو من بين كل الأمور القيمة أرفع الكنوز فيمة.

، فالتقييم وحده خالق القيمة، وبدون التقييم يضحى الوجود مجرد قشرة خاوية , فعوا ذلك يا معشر الخالقين! (20) .

ولا يهم نيتشه بعد ذلك طبيعة القيم التي يخلقها الإنسان. فثمة و ألف هدف وهدف، يرنو الإنسان إليها، وكل امرئ على ظهر البسيطة له لغته الخاصة بالخير والشر، لا يفهمها جيرانه. أما ما يشكل جوهر الإنسان فعملية التقييم ذاتها، وأن يقدر المرء قيمة ذاته ويطالب الغير بالاعتراف بها (21) ، وهذا التقييم هو بطبيعته مناف للمساواة، حيث إنه يتطلب التمييز بين الأفضل والأسوأ، ولذا فإن نيتشه لم يعبأ بغير مظهر الثيموس الذي يدفع الناس إلى القول بأنهم خير من الآخرين، وهو الميجالوثيميا. وأفظع شرور الحداثة هو محاولة خالقيها هويز ولوك تجريد الإنسان من قدراته التقييمية بأسم الأمن و الثراء المادي، وبالوسع فهم نظرية نيتشه الشهيرة الخاصة بإرادة القوة باعتبارها محاولة لإعادة تأكيد أن الثيموس أهم من الرغبة والعقل، و لإصلاح ما أفسدته الليبرالية الحديثة وإضرارها بكبرياء الإنسان وتأكيده لذاته. ومؤلفات نيتشه تمجد السيد الأرستوقراطي عند هيجل وصراعه حتى الموت من أجل المنزلة الخالصة، وتدين بأقسى العبارات تلك الحداثة التي قبلت أخلاقيات العبيد قبولا كاملا لدرجة أنها لا تدرك أن هذا الاختيار كان اختيارها.

وبالرغم من تغير العبارات المستخدمة لوصف ظاهرة الثيموس أو الرغبة في الاعتراف، فالواضح تماما أن هذا الجانب الثالث، من الروح كان محور اهتمامات التراث الفلسفي الممتد من أفلاطون إلى نيتشه، وهو يوحي بطريقة مختلفة تماما لفهم المسار التاريخي. فهذا المسار ليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت