قصة ازدهار العلوم الطبيعية الحديثة أو منطق التنمية الاقتصادية، وإنما هو بزوغ الميجالوثيميا وازدهارها ثم تدهورها في النهاية، والواقع أن العالم الاقتصادي الحديث ما كان بالوسع أن يظهر إلا بعد تحرير الرغبة على حساب الثيموس. والمسار التاريخي الذي يبدأ بمعركة السيد الدموية ينتهي بالبورجوازي الحديث في الديموقراطيات الليبرالية المعاصرة الذي يهمه الكسب المادي أكثر مما يهمه المجد.
وما من أحد اليوم يدرس الثيموس دراسة منتظمة باعتبارها جزءا من برنامج تعليمه، ولا يظهر الصراع من أجل نيل الاعتراف، بين المصطلحات السياسية المعاصرة. كذلك فإن الرغبة في المجد التي ارتاها ماكيافيلي جزا طبيعية من كيان الإنسان، والمتمثلة في المسعى الضخم للتفوق
على الغير وإجبار أكبر عدد ممكن من الناس على الاعتراف بهذا التفوق، لم تعد طريقة مقبولة الوصف المرء لأهدافه، بل لقد أصبحت خاصية تنسبها إلى من لا نحبهم، كأولئك الطغاة الذين
ظهروا بيننا من أمثال هتلر وستالين وصدام حسين. أما الميجالوثيميا (أي الرغبة في نيل الاعتراف بالتفوق) فقائمة نشيطة في حياتنا اليومية ولكن وراء أقنعة عديدة، وسنرى في الجزء الخامس من الكتاب أن الكثير مما نجده مشبعة ومرضية لنا في حياتنا إنما ينبع من هذه الرغبة. غير أن أخلاقيات العالم الحديث تحول دون الإفصاح عن هذه الرغبة عند الحديث عن أنفسنا.
ولذا فإن الهجوم على الميجالوثيميا في عالم اليوم، وافتقار نظرتنا إليها إلى الاحترام، يميلان بنا إلى موافقة نيتشه على أن أولئك الفلاسفة في بداية العصر الحديث الذين أرادوا استئصال أشكال الثيموس الأكثر وضوحا من المجتمع المدني، قد كتب لهم النصر المحقق. وقد حل محل الميجالوثيميا مزيج من أمرين، الأول: هو ازدهار القوة الشهوانية للروح والذي يتمثل في صبغ الحياة تماما بالصبغة الاقتصادية، وهو ما يشمل أنبل الأمور إلى أدنتها، ويمتد من الدول الأوروبية التي تسعى لا وراء العظمة والإمبراطوريات، وإنما وراء قيام مجموعة أوروبية متحدة عام 1992، إلى خريج الجامعة المشغول بحساب الربح والخسارة من أجل اختيار المهنة المناسبة.
والأمر الثاني الذي حل محل الميجالوثيميا هو إيسونيميا شاملة، أي رغبة المرء في أن يعترف به الآخرون مساوية لهم. ولهذه الأيسوثيميا مظاهر متنوعة من بينها الثيموس عند تاجر الخضراوات في قصة هافيل، والمحتج ضد إياحة الإجهاض، والمنادي بحقوق الحيوان، ورغم أننا لا نستخدم كلمتي و الاعتراف او. الثيموس، لوصف أغراضنا الشخصية، فإننا قد نستخدم أكثر مما ينبغي كلمات مثل و الكرامة، و: الاحترام،، و ا احترام الذات، و تقدير الذات،، وهي اعتبارات غير مادية تدخل حتى في حسابات الربح والخسارة عند خريج الجامعة وقت اختياره للمهنة المناسبة، وتهيمن مثل هذه المفاهيم على حياتنا السياسية، كما أنه لا غنى عنها إن نحن أردنا فهم التحولات الديموقراطية التي حدثت في مختلف أنحاء العالم في أواخر القرن
العشرين
ويذا لا يتبقى أمامنا غير تناقض واضح. فقد أراد مؤسسو التراث الأنجلوسكسوني لليبرالية الحديثة إلغاء الثيموس من الحياة السياسية. ومع ذلك فإن الرغبة في نيل الاعتراف قائمة حولنا