الصفحة 76 من 376

ميل ذلك المجتمع الطبيعي إلى النظام الاستبدادي. وهكذا، ففي حين كان المراقبون الغربيون على استعداد تام للاعتراف للشعب البولندي بالرغبة في قلب النظام الشيوعي متى سنحت الفرصة، أبوا الاعتراف بنفس الشيء للشعب الروسي. وبعبارة أخرى، فإن الروس عندهم هم النزلاء القانعون بوجودهم في المصحة، لا تبقيهم فيها القضبان وقمصان التكتيف، وإنما تبقيهم رغبتهم في الأمان و النظام ونفوذ السلطة وبعض المزايا الإضافية التي أضفاها النظام السوفييتي، كالعظمة الإمبريالية ووضع الدولة العظمي .. فقد كانت الدولة السوفييتية القوية تبدو بالغة القوة حقا، خاصة في منافستها الاستراتيجية العالمية مع الولايات المتحدة.

كان من المعتقد إذن أن الدولة الشمولية يمكنها أن تستمر إلى ما لا نهاية، بل وأن تتكاثر كالفيروسات في مختلف بقاع العالم. فحين صدرت الشيوعية إلى المانيا الشرقية أو كوبا أو فييتنام أو اثيوبيا، أنت مجهزة بحزب طليعي قيادي، ووزارات مركزية، وجهاز للشرطة، وأيديولوجيا تهيمن على كافة أوجه الحياة في البلاد. وقد بدت هذه المؤسسات وكأنما هي فعالة بغض النظر عن التقاليد القومية أو الثقافية في تلك البلاد.

فماذا أصاب جهاز السلطة بما يملك من الية تمكنه من الحفاظ على نفسه إلى ما لا نهاية؟

كان عام 1989. الذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية وللتصديق على دستور الولايات المتحدة. شاهدا على الانهيار الحاسم للشيوعية كعامل له وزنه في تاريخ العالم.

فمنذ أوائل الثمانينيات كان خطو التغير في العالم الشيوعي من السرعة والاطراد بحيث تميل أحيانا إلى النظر إلى هذا التغير على أنه أمر طبيعي وحتمي، وننسي ضخامة الأحداث. ولذا فإنه قد يكون من المفيد استعراض المعالم الرئيسية لتلك الفترة:

و في أوائل الثمانينيات، بدأت الزعامة الشيوعية الصينية تسمح للفلاحين الذين يشكلون 80 في المائة من تعداد سكان الصين بزراعة وبيع محاصيلهم الغذائية، فانتهت بذلك الزراعة الجماعية، و عادت إلى الظهور علاقات السوق الرأسمالية ليس فقط في جميع أنحاء الريف، وإنما أيضا في صناعات المدن.

و في عام 1986، شرعت الصحافة السوفييتية في نشر مقالات تنتقد جرائم عهد ستالين، وهو موضوع لم يطرق منذ طرد خروتشوف من السلطة في أوائل الستينيات. وقد اتسعت حرية الصحافة بسرعة على إثر ذلك بعد کسر المحظورات واحدا إثر واحد، وما أن حل عام 1989 حتى كان بالوسع مهاجمة جورباتشوف وغيره من أفراد الزعامة السوفييتية صراحة في الصحف. وفي عامي 1990 و 1991 قامت مظاهرات في أنحاء عديدة من الاتحاد السوفييتي تطالب باستقالة جورباتشوف. .

• في مارس 1989 أجريت انتخابات لمجلس نواب الشعب ومجلس السوفييت الأعلى بعد وضع أسس جديدة لهما، ثم أجريت في العام التالي انتخابات أخرى في كل من الجمهوريات الخمس عشرة بالاتحاد السوفييتي، وعلى مستوى محلي. وقد حاول الحزب الشيوعي تزوير نتائج هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت