هدوء الليل وسكونه وظلامه ووحشته ليوحي إلى النفس إجلالًا وعظمة وهيبة لمن خلقها ورفعها وزينها وكملها وجملها، خاصة في نفس قلب مطمئن بالله متقلب في ذكره في سائر أحواله، بما يجعل لذلك التفكر أثر إيماني عميق في النفوس، واستجابة متجددة في الجوارح , بما يجعل في نفوسهم من دلائل الحب والخشية والعظمة والجلال والجمال ما تقصر دونه العبارة، ويترجمه هذا الدعاء الخاشع الذي ينطلق من الأعماق من خلال هدوء وسكون الليل الذي أمرنا بالتدبر من خلاله {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ، ولذا أبكت هذه الآية نبينا الكريم وهو يتلوها ويتدبرها حتى أقضت مضجعه ولم تجعله يهنأ بالنوم في ليلته التي نزلت فيها، بل استمر يتلوها في غيرها من الليالي، وهو ينظر في السماء - صلى الله عليه وسلم - إشعارًا بأهمية التفكر في ملكوت السماوات ... والأرض، فإن معايشة القرآن بهذه الطريقة النبوية يفتح من دلائل الفهم، وعمق التدبر ما الله به عليم، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم: (ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها) ،قيل للأوزاعي:"ما غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرؤهن وهو يعقلهن" [1] ، فمن تلاها حق تلاوتها في الوقت الذي نزلت فيه تفتحت عليه من معاني الوحدانية والعظمة والقدرة وغيرها ما لا يتحقق لمن تلاها في أي وقت آخر.
وكما لوقت النزول أثر في الفهم له كذلك أثره في العمل؛ وذلك لأن التفكر في السماء أمر مطلوب وسنة نبوبة مرغوبة، خاصة في الوقت الذي نزلت فيه الآيات، قال القرطبي:"قال العلماء: يستحب لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه، ويستفتح قيامه"
(1) الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (3/ 176) .