فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 54

هتاف النوم وجاذبية الفراش، بعد كد نهار، أشد وطأ وأجهد للبدن؛ ولكنها إعلان لسيطرة الروح، واستجابة لدعوة الله، وإيثار للأنس به، ومن ثم فإنها أقوم قيلًا، لأن للذكر فيها حلاوته، وللصلاة فيها خشوعها، وللمناجاة فيها شفافيتها. وإنها لتسكب في القلب أنسًا وراحة وشفافية ونورًا، قد لا يجدها في صلاة النهار وذكره. . والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله وأوتاره، ويعلم ما يتسرب إليه وما يوقع عليه، وأي الأوقات يكون فيها أكثر تفتحًا واستعدادًا وتهيؤًا، وأي الأسباب أعلق به وأشد تأثيرًا فيه" [1] ."

ولما فهم السلف هذه المعاني جعلوا نهارهم للمعاش وليلهم للقرآن تلاوة وصلاة واستغفارًا كما قال تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ} (الذاريات: 17 - 18) ، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} (الفرقان: 64) ، وقد جاء في حديث أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: (إِنِّي لَأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الْأَشْعَرِيِّينَ بِالْقُرْآنِ حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ، وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ) [2] ، فكان يسمع للمدينة النبوية دوي خاص بالقرآن ليلا، لأنهم أدركوا هذه الفضائل، وأدركوا أن من منعه القرآن عن النوم في الليل حلت له شفاعته كما جاء عَن عَبْدِ الله بْنِ عَمْروٍ، رَضِيَ الله عَنْهُمَا , أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (الصِّيَامُ

(1) في ظلال القرآن لسيد قطب (7/ 380) .

(2) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب: باب: غزوة خيبر ح رقم 3991 ومسلم في فضائل الصحابة باب: فضل الأشعريين ح رقم 6563.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت