والخشوع؛ لانقطاع رؤية الخلائق، ولما تحدثه تلك التلاوة المتدبرة من وقع في القلب، خاصة والقلب قد خلص لذكر الله وتفرغ تفرغا تاما لعبادة ربه من مشاغل دنياه في النهار؛ ولذا قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} أي:"وأقوم قيلًا في التلاوة والتدبر والتأمل، وبالتالي بالتأثر، ففيه إرشاد إلى ما يقابل هذا الثقل فيما سيلقى عليه من القول، فهو بمثابة التوجيه إلى ما يتزود به لتحمل ثقل أعباء الدعوة والرسالة. وقد سمعت من الشيخ [1] رحمة الله تعالى علينا وعليه قوله: لا يثبت القرآن في الصدر ولا يسهل حفظه وييسر فهمه إلا القيام به من جوف الليل، وقد كان رحمه الله تعالى لا يترك ورده من الليل صيفًا أو شتاء" [2] ، ومن هنا نص الله - جل جلاله - على أثر التلاوة ليلًا فقال" {وَأَقْوَمُ قِيلًا} أي القراءة بالليل أقوم منها بالنهار؛ أي أشد استقامة واستمرارا على الصواب؛ لأن الأصوات هادئة، والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه. قال قتادة ومجاهد: أي أصوب للقراءة وأثبت للقول؛ لأنه زمان التفهم. وقال أبو علي:"أقوم قيلا"أي أشد استقامة لفراغ البال بالليل. وقيل: أي أعجل إجابة للدعاء. حكاه ابن شجرة. وقال عكرمة: عبادة الليل أتم نشاطا، وأتم إخلاصا، وأكثر بركة. وعن زيد بن أسلم: أجدر أن يتفقه في القرآن. وعن الأعمش قال: قرأ أنس بن مالك"إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأصوب قيلا"فقيل له: {وَأَقْوَمُ قِيلًا} فقال: أقوم وأصوب وأهيأ: سواء" [3] .
يقول سيد قطب:" {وأقوم قيلًا} : أي أثبت في الخير (كما قال مجاهد) فإن مغالبة"
(1) يقصد بذلك شيخه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان.
(2) أضواء البيان ـ (8/ 359) .
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (19/ 41) .