البيان في تفسير سورة القدر قوله:"لطيفة:"كون إنزال القرآن هنا في الليل دون النهار، مشعر بفضل اختصاص الليل، وقد أشار القرآن والسنة إلى نظائره، فمن القرآن قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} (الإسراء: 1]، ومنه قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} (الإسراء: 79) ، وقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} (ق: 40) ، وقوله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} (المزمل: 6) ، وقوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} (الذاريات: 17) . ومن السنة قوله - صلى الله عليه وسلم - قال: (يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ ... الحديث) [1] . وهذا يدل على أن الليل أخص بالنفحات الإلهية، وبتجليات الرب سبحانه لعباده، وذلك لخلو القلب وانقطاع الشواغل وسكون الليل، ورهبته أقوى على استحضار القلب وصفائه" [2] ."
وفي تلاوة القرآن ليلًا ما هو أعون على الفهم لما في الليل من سكون الأصوات، وانقطاع الحركات بما يسهم في جمع القلب والفكر على التدبر؛ كما قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا} أي موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان؛ لانقطاع المشغلات الملهيات،"لأن الليل تهدأ فيه الاصوات وتنقطع الحركات ولا يحول دون تسمعه وتفهمه شيء" [3] .
كما أن في تلاوته ليلًا أكثر إصلاح للقلب وتزكية للنفس لما يصحبها من الإخلاص
(1) رواه البخاري, كتاب الدعوات, باب: الدعاء نصف الليل, ح رقم 6321, ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل, ح رقم 758.
(2) أضواء البيان (9/ 253) .
(3) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي (10/ 199) .