للصحابة -رضوان الله عليهم-، الذين أسلموا وجاهدوا من بعد، فيلومهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ويؤنبهم على ما حدث منهم -من الصحابة الذين سبقوا-، وكلًا وعد الله الحسنى.
قال الأستاذ:"فإذا عُلم ممّا تقدم أن كل امرِءٍ وسابقته في الإسلام، وسابقته في الجهاد، وسابقته في الهجرة، وسابقته في البذل والعطاء، إذا عُلم ذلك فالواجب على كلِ امرءٍ أن يُنزِل الناس منازلهم، كما قال -عليه الصلاة والسلام-، كما في صحيح مسلم: (أنزلوا الناس منازلهم) ، قال النووي: من فوائد الحديث تفاضُل الناس في الحقوق على حسب منازلهم ومراتبهم، وهذا في بعض الأحكام وأكثرها"نعم، الناس مراتب ومنازل، صح فيه عدل، لكن الناس يعني الأب له حقوقه ليست حقوقه كالابن، والكبير له منزلة ليست كمنزلة الصغير، والعالم له فضل، فالإنسان الكبير المسلم العاقل الشيبة له توقيره وإن كان الصغير أكثر علمًا، لكن الكبير له توقيره وله مكانته، والعَالِم له فضله ومكانته وإن كان أصغر منك سنًا، فالمسألة متبادلة، كل واحد له أدب، وله سلوك.
قال الأستاذ:"فينبغي أن يحفظ لمن سبقه في الدرب حقَّه وأن يعرف له سابقته، وأن يُنَزِّلَهُ المنزلة التي أنزله الله إياها، ولا يأنف من ذلك، فهذا منزلٌ أنزله الله إياه بصبره وتضحياته وبلائه، وهؤلاء السبّاقون للخير أقاموا سوق الجهاد حال كساده وبذلوا لأجله المُهج وقدموا الأرواح يوم أن تراجع عن نصرة الدين من تراجع ويوم أن قل الناصر وتلاشى المعين، فهؤلاء السابقون في الهجرة والجهاد يُقدَّمون على غيرهم وتُحفظ لهم أحقيتهم، بل هم سادة المسلمين ورؤساؤهم، روى أشهب عن الإمام مالك: ينبغي أن يُقدم أهل الفضل والعزم، وقد قال الله -تعالى-: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} "
وقال الأستاذ:"ومما يجب أن يُعلم في هذا المقام -وهذا الكلام مهم-، أن الزَّلات والهفوات والأخطاء التي تقع -وذلك لا بُدّ كائن- من ذوي السبق لا ينبغي بحالٍ من الأحوال أن تكون سببًا في إلغاء تاريخ التضحيات التي قدّمها السابق في الهجرة والجهاد، بل هي من السيئات والزلات والعثرات التي تغرق في بحر الحسنات، وإذا بلغ الماء قُلَّتين لم يحمل الخبث، بل المندوب أن يُقال عثراتُهم، كما في مُسند أحمد عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أقيلوا ذوى الهيئات عثراتِهم إلا الحدود) ، قال ابن القيم في (بدائع الفوائد) : وهم ذووا الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد -ذووا الهيئات-، فإن الله -تعالى- خَصّهم بنوع"