فهرس الكتاب
وقد كان الإقرار عن الخير - أو قل - نفي الشر، مادة للسخرية عند زمرة الكهنة
الفاسقين، فالكهنة - كما هي القاعدة - كانوا متمسكين بمبدأ تعدد الآلهة بدلا من الإله الواحد. وكان همهم المحصور في بيع التمائم والتعاويذ (وكلما ازدادت الآلهة، ازدادت التمائم) أكثر منه في تعليم الفضيلة. ومن تعاليمهم لأتباعهم أنه إذا نسي المرء أن يتلو إقراره واكتفى بعرض التمائم السحرية التي اشتراها من الكهنة، فإن الآلهة تغفر له ذنوبه.
وهكذا انحطت المبادىء الخلقية في مصر وتحولت إلى طقوس من الشعوذة. ولذا كان هدف إخناتون أن يضع حدًّا لهذا الفساد. فبدأ ثورة دينية أخلاقية، ولو أن هذا العمل قصر أجله فمات في سن مبكرة. كان شهيد الحق
مثل أشعياء وسقراط وعيسى.
وكان هذا الحق، كما ارتآه إخناتون، يصور إلها واحدًا أعظم، تطل سماؤه حيانة من عل فوق جسم الأرض.
"من هذا العناق المقدس تخلق كل الأشياء بجسم يتكون من طين أرضي وروح أساسها نار سماوية". وقد أعلن اخناتون أن هذه النار لا تنطفىء لا تحل في المخلوقات البشرية فحسب، وإنما في كل ما يخلق من أشياء - في النخلة التي تمدنا بظلها الظليل، والنهر الذي يروي سهلنا، وعين الماء التي تطفىء ظمأنا، والزهرة العتي تعبق الجو برائحتها الزكية وتدخل البهجة إلى قلوبنا بجمالها، وحتى البصلة الوضيعة التي تجعل لمأدبة الحياة طعمًا شهيًّا.
وما إيمان اخناتون بقوة علوية واحدة إلا أول تعبير رسمي عن التوحيد في التاريخ. ولكن فكرة وجود الإله في كل شيء تجعل فلسفة اخناتون أقرب -