فهرس الكتاب
الفصل الخامس والعشرون
بندتو كروتشي
والآن ننتقل من برجسون الصوفي إلى كروتشي الشاك. وبالرغم من أن هذين الفيلسوفين يسلكان طريقين مختلفين، إلا أنهما يصلان في النهاية إلى حقيقة واحدة بعينها - هي أنه في وسعنا بالحدس أن نجد نموذجا للجمال في الكون وفي التاريخ البشري. وأخذًا بفكرة جون كيتس، فإن برجسون وكروتشي كليهما يؤكدان أن"الجمال هو الحق، والحق هو الجمال"، وأن هذا هو كل ما نعرف أو ما ينبغي أن نعرف.
غير أن كروتشي كان أكثر من برجسون اشتمالا للكون بفلسفته. فنجد أن كروتشي، شأنه في ذلك شأن أفلاطون وأرسطو وفرانسيس بيكون، وقد اضطلع بمسح كامل للفكر الإنساني وآماله وأمانيه. ولكن كروتشي كان يعتقد أن هذا المسح لا يمكن أن يقوم به على أحسن وجه إلا فيلسوف نزل من برجه العاجي الخاص بالأساتذة إلى خضم الحياة المثير المضطرب.
وهكذا لم يجد كروتشي بدًّا من الغوص في قلب إعصار الحياة لكي يستطيع أن يتعرف سر حركته. فلعب دورا فعالا في مقاومة الانقلابات الفاشية والنازية والشيوعية. وأوضح أن سياسة العنف بين الأفراد والطبقات والشعوب تتنافى مع العقل، وأن سعادة البشرية تنحصر في التوفيق الحكيم أو قل"المواءمة والتناسق"- وهو المذهب الأفلاطوني القديم - بين المادية والمثالية، بين