الفصل الرابع عشر
فرانسيس بيكون
كانت القرون الثلاثة التي انقضت بعد الأكويني قرونًا مظلمة من وجهة النظر الفلسفية. فلم تنجب الحقيقة كلها إلا أفرادًا قلائل من مفكري المرتبة الأولى؛ إذ كان الناس مشغولين بالتطاحن على السياسة أو التشاحن على الدين، لدرجة لم تمكنهم من تكريس أنفسهم للبحث عن الحكمة.
وفي مثل ذلك الجو راحت أعشاب الصورة الزائفة من المذهب العقلي تعيق نمو العقل نموًّا سليما فحتى من كانوا يسمون بالمثقفين شغلوا أنفسهم بالتنجيم، أي الاعتقاد بأن النجوم هي التي تسير أقدارنا، وبالسيمياء، أي محاولة تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، وبالبحث في الجن والشياطين، أي التأمل في عالم الشياطين والملائكة، وبالخرافات، أي سرعة التصديق والتسليم القائملين على المخاوف غير المعقولة.
ثم جاء عصر النهضة - ومعناه يقظة العقل البشري مرة ثانية - فحل علم الفلك محل التنجيم وأخلت السيمياء مكانها لعلم الكيمياء، وتحول البحث في الجن والشياطين إلى علم الأجناس البشرية، وتوارت الخرافات تحت أنوار العلم القوية. وكان كولمبس قد اكتشف عالمًا جديدًا عبر المحيط، كما ترسم كوبرنيق طريقا جديدًا عبر السماء إلى النجوم.
وفي ذلك العصر الذي انتشر فيه نور العلم وجدت الفلسفة في الصوت