الفصل الثاني
الفلسفة في فارس
في كل مذهب فلسفي حديث تقريبًا نسمع صدى صوت حكيم قديم يذكرنا بهدوء قائلًا:"وأنا أيضًا سبق أن ناديت بهذا المذهب". ومن أكثر المشكلات التي تحيرنا اليوم مشكلة تفسير الصراع بين الخير والشر. وقد حيرت هذه المشكلة الفلسفية نفسها العقول أيام زرادشت - أو إن شئت فاسمه الفارسي زاراثوسترا - الذي ظهر منذ حوالي ألف عام قبل مجيء المسيح.
ولم يكتف زرداشت بصياغة المشكلة، بل حاول أيضًا أن يجد حلا لها، وقد لقي هذا الحل، كما سنرى فيما بعد، قبولا عند كثير من المفكرين العظام وبينهم فيلسوفنا الأمريكي، وليم جيمس.
ولكن مما يجدر ذكره أنه حتى وفي أيام زرادشت كانت مسألة الخير والشر تعتبر مشكلة قديمة في الفلسفة، فقد كتب يقول:"لوقت طويل قبل عصري ظهر أحد الرعاة، وكان اسمه بيما، وأخذ يعلم الناس كيف يمكنهم أن يجعلوا النور يسود عن طريق قهر الظلام". وكان زرادشت يسمي نفسه مجرد شارح ومترجم لبيما الذي كان بدوره"مفسرًا ومترجما لأوامر الله وكلماته".
ويحدد هذا التفسير الفارسي المبكر لله، معالم فصل شائق في الفكر الإنساني، وقد وضع زرادشت أساس دين جديد، هو دين التقوى، وفلسفة جديدة هي فلسفة التناغم. ولكن فكرته عن التقوى قد دب في أوصالها الفساد فتحولت