فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 440

الكفر والإيمان، بين استقرار العرف وحركة الانتقال. وبعبارة أخرى، كان كروتشي يناصر حكمة التقبل لكل ما كان خيرا في الماضي ويدافع عن الاستعداد الفعال للقيام بعمل شيء أفضل في المستقبل. ولكن هذا كله ينبغي أن يتم في جو يظلله السلام لا الحرب، وفي لقاء يضم العقول البناءة، لا في سباق يهدف إلى الحصول على أسلحة الدمار.

ولدت فلسفة كروتشي في أثناء جائحة نزلت به؛ ففي عام 1883 بينما كان أبوه، وهو أحد ملاك الأراضي الأثرياء في نابولي، يقضي عطلته مع بقية أفراد أسرته على جزيرة أسخيا، زلزلت الأرض زلزالا عنيفا سد عليهم سبل النجاة، وقضى على"السنيور"وزوجته وابنتهما الوحيدة. أما ولداه فقد كتب لهما النجاة بعد أن ظلا مدفونين تحت الأنقاض لبضع ساعات.

وكان بندتو، أكبر الولدين، في السابعة عشرة من عمره في ذلك الوقت. وكتب يقول:"بالرغم من أن هذه النكبة دقت عظامي وتركتني حطاما عليلا لسنوات كثيرة، إلا أنها شحذت عقلي". ثم كان أن وفر له دور النقاهة الطويل الذي مر به وقتا كافيا للتفكير في الزلازل المادية والروحية التي تعترض بصورة ملحوظة نظام الحياة العادي.

ولقد شاء القدر أن تكون حياة بندتو مليئة بالزلازل الروحية والعواصف السياسية؛ إذ ولد عام 1886 ولهب الثورة على أشده، في عصر الاضطراب والهياج الذي أشعل وقوده مازيني وغاريبالدي وكافور. فقد ثارت نابولي على الملكية، وانسخلت إيطاليا من قبضة النمسا، ونبذت الولايات الدولة سلطة الكنيسة المتطرفة، وتطلع المفكرون في كل مكان إلى إيطاليا موحدة، بل عالم موحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت