ثم هذه المسألة هي غير مسألة خلق الأفعال، على ما مر يثبت ما يثبت به تلك المسألة.
ثم إن السلف تكلموا فيها بطريق الأصالة، فتبعهم في ذلك، فنقول: إن المعتزلة يتعلقون بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] أخبر أنه خلقهم ليعبدوه، وعندكم ما خلق الكفرة ليعبدوه، بل ليكفروا به، وهو خلاف النص، والمعقول لهم أن الكفر والمعاصي سفه، ومريد السفه سفيه في الشاهد وكذا في الغائب، وكذات أفعال العباد ما هو شتم الله تعالى والافتراء عليه، ومريد شتم نفسه والمتعرض له سفيه، ولأن الأمر بما لا يريده الآمر سفه، وكذا إرادة ما لا يرضى به، ولأن العبد ما لا يمكنه الخروج عن إرادة الله تعالى عندكم، وفيه جعل العباد مجبورين، وهو باطل.
ولأهل الحق قوله تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران: 178] أخبر أنه أراد بإملائهم ازدياد الإثم، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [الأعراف: 179] ، ومن ذرأه لجهنم أراد منه ما يصير بإدخاله ما ذرئ له عادلًا لا ظالمًا، وقوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام: 125] أخبر أنه يريد ضلال بعض، ويجعل ما به يحصل ضلاله وهو ضيق القلب، وقوله تعالى ــ خبرًا عن نوح