ولما ثبت أن للعالم صانعًا حكيمًا عليمًا، وكل جزء من أجزاء العالم ملكه لا شريك له فيه لما مر كم دلائل وحدانيته تعالى، فنقول: إن ورود التكليف بالإيجاب والحظر والإطلاق والمنع ممن له الملك في ممالكيه مما يأباه العقل أو يحكم بامتناعه؛ إذ لكل مالك ولاية التصرف في مملوكه بقدر ما له من الملك، ولله تعالى في كل جزء من أجزاء العالم وأشخاص بني آدم ملك التخليق؛ إذ هو الموجد له من العدم والمخترع له لا عن أصل، فكان له أن يتصرف في كل من ذلك على أي وجه شاء من وجوه التصرف، ثم يعلمهم ذلك باي طريق شاء، إن شاء فعل ذلك بتخليق العلم لهم بذلك، وإن شاء فعل ذلك بإرسال رسول إلى المكلف من جنسه أو من خلاف جنسه على أن البشر مهيأ لقبول الحكمة والعلم معد للزيادة وبلوغ درجة الكمال عند إفادة الحكيم المرشد إياه؛ إذ هو ممن يجوز عليه الجهل ولا يمتنع عليه قبول العلم بالتعليم، ثم إن صانع العالم هو الحكيم الذي لا يسفه، العليم الذي لا يجهل، وهو الموصوف بالرأفة والرحمة على عباده فلا يمتنع منه إمداد المجبولين على النقيصة بما يوجب زوالها ويورث لهم الكمال وبلوغ الدرجة العالية في الحكمة والعلم، وبالوقوف على هذه الجملة يعرف أن إرسال الرسل مبشرين ومنذرين ليبثوا للناس ما يحتاجون إليه من مصالح دارهم