ذهبنا إليه، وبطلان قول المعتزلة، وهذا الكلام لا يحتمل تأويل مشيئة الجبر، فإنه إن استقام في أحد شطريه وهو قولهم:"ما شاء الله كان"، لم يستقم في الشطر الآخر وهو قولهم:"وما لم يشأ لم يكن"؛ لأنه لم يشأ الأفعال الاختيارية التي هي الطاعات جبرًا، ومع ذلك كانت، والله تعالى الموفق.
والذي يؤيد ما ذهبنا إليه أن الله تعالى لما عرف من فرعون أنه يكفر ولا يؤمن، فلو أراد منه أن يؤمن ما ذهبنا إليه حصل لصار هو جاهلًا، فيصير مرتدًا بتجهيل نفسه، وزوال ربوبيته، وكذا أخبر أنه يملأ من جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولو أراد منهم الإيمان دون لأراد أن لا يتحقق خبره، ويكون به كاذبًا، أو أراد ما يصير بتحقق إخباره ظالمًا، فصار مريدًا جهل نفسه وكذبه وظلمه، وهو كله سفه، ولا يعترض على هذا بالأمر بالإيمان والنهي عن الكفر. وفيه أيضًا أملا بتجهيل نفسه ونهى عن تصديقه؛ لأنا نقول: الأمر والنهي كل واحد منهما لتحقيق علمه؛ لأنه ما أمر الكافر بالإيمان ليؤمن، وما نهى عن الكفر لينتهي، بل ليجب الإيمان، ويحرم الكفر، فيترك الإيمان الواجب، ويقدم على الكفر المنهي؛ فيستحق بذلك العقاب، فتحقق علمه أنه يترك الإيمان الواجب، ويرتكب الكفر المحذور؛ ويصير بذلك أهلًا للتخليد في النار فيتحقق علمه وإخباره. فإذا كل ذلك لتحقيق علمه وخبره، وإن جهلت المعتزلة ذلك، والله الموفق.