ولا تعلق لهم بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ؛ لأن أهل التأويل قالوا:"إلا ليكونوا عبادًا لي"، وهم كانوا عبادًا له. يؤيد هذا التأويل: أن على هذا التأويل: أن على هذا التأويل يمكن إجراء الآية على العموم، ولو حملت على العبادة الاختيارية لما أمكن ذلك لخروج الصغار والمجانين عن عمومها؛ لأنهم لم يخلقوا للعبادة.
وقال كثير من أهل التأويل: قوله: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، أي: إلا أمرهم بالعبادة. وعلى هذا التأويل لا تعلق لهم بها، على أنا نقول: خص الصبيان والمجانين عن الآية. فيخص المتنازع فيه بما ذكرنا من الدلائل، وبقيت الآية محمولة على من علم منهم الإيمان والعبادة.
وشبهتهم المعقولة أن مريد السفه فاسد؛ لأن السفيه من ليس لفعله عاقبة حميدة. وإذا كان لإرادة السفيه عاقبة حميدة وهي تحقيق العلم والخبر كانت حكمة.
ومريد شتم نفسه إنما يكون سفيها لأنه يلحق به عار الشتم؛ لأنه لم يقم دلالة براءته عما شتم به، فلا يلحق به عار، بل يلحق عار الكذب بشاتمه الذي هو عدوه، وإرادة إلحاق العار بعدوه حكمة، وليست بسفه، فمن قاس مريد إلحاق العار بنفسه في جعلهما سفيهين فهو جاهل بالمقايسة.
وشبهتهم الثانية فاسدة أيضًا لما مر أن الأمر بما لا يريده ليجب عليه، فيتحقق به علمه، وإرادته حكمة.