فإذا على زعمهم أيضًا ما اقتصر في السيئات على جزاء مثلها، بل زاد عليها ما لا نهاية له، ولم يجز على حسنة مثلها فضلًا عن العشرة والسبعمائة، وهذا هو الخلف الذي وراء خلف.
ثم إنهم ينسبون أهل الحق في تجويزهم العفو عن الكبيرة إلى الخلف في الوعيد، وهذا تحكم في الوعيد ظاهر، والله الموفق.
والحكم الآخر جواز المغفرة وتعليق التعذيب بالمشيئة، وذلك ثابت بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] ، وهذا نص ومعناه ظاهر، ولأنه تعالى عفو غفور وإنما تحقق العفو والمغفرة عما هو جائز التعذيب، فأما ما لا جواز للتعذيب عليه، فترك التعذيب لا يكون عفوًا ولا مغفرة، كترك التعذيب على المباحات، وعلى زعم المعتزلة والخوارج لا تحقق للعفو والمغفرة ألبتة، ولا يقال: يعفو عن الصغائر؛ لأن عندهم لو كان يرتكب الصغيرة اجتنب الكبائر، فهو غير جائز التعذيب، فلا يكون ترك التعذيب عليه مغفرة وعفوًا، وإن كان قد ارتكب الكبائر والصغائر فالصغائر غير جائز العفو عند أكثرهم؛ لأنه لو جاز له العفو لما جاز التعذيب، ومن جوز منهم العفو عن الصغائر في تلك الحالة، وجوز التعذيب أيضًا؛ فهو مناقض أصوله في الإيجاب، فعلى ما هو الأصلح عندهم ولما وصف الله تعالى نفسه دل أن العفو عن صاحب الكبيرة جائز، يحققه: أن الله تعالى