{فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ} واتباع فرعون هو في مجاوزة البحر. روي أن فرعون لما انتهى إلى البحر ووجده قد انفرق ومضى فيه بنو إسرائيل قال لقومه: إنما انفرق بأمري. وكان فرعون على فرس ذكر فبعث الله إليه جبريل على فرس انثى وتدنوا فدخل بها البحر وولج فرس فرعون وراءه وجنب الجيوش خلفه، فلما رأى ان الانفراق قد ثبت واستمر له وبعث الله ميكائيل عليه السلام يسوق الناس حتى حصل جميعهم في البحر فانطبق عليهم. ولما لحقه من الدهش ما لحقه كرر المعنى بثلاث عبارات: اما على سبيل التلعثم، إذ ذاك مقام تحار فيه القلوب. أو حرصًا على القبول، ولم يقبل الله تعالى منه إذ فاته وقت القبول، وهو حالة الاختيار وبقاء التكليف والتوبة بعد المعاينة لا تنفع، ألا ترى إلى قوله تعالى:
{فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ}
[غافر: 85] .
وتقدم الخلاف في قوله تعالى:
{الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ}
[يونس: 51] . في هذه السورة. والمعنى أتؤمن الساعة في حال الاضطرار حين أدركك الغرق وأيست من نفسك. قيل: قال ذلك حين ألجمه الغرق.
{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع.
وببدنك: بدرعك، وكان من لؤلؤ منظوم لا مثال له، قاله ابن عباس. والبدن: بدن الإِنسان. والبدن: الدرع القصيرة قال:
ترى الأبدان فيها مسبغات على الابطال والكلب الحصينا
يعني: الدروع. وقيل: نلقيك ببدنك عريانًا ليس عليك ثياب ولا سلاح، وذلك أبلغ في إهانته.
{وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} الظاهر ان بني إسرائيل هم الذين كانوا آمنوا بموسى عليه السلام ونجوا من الغرق.
وسياق الآيات ليشهد لهم. وانتصب مبوأ صدق على أنه مفعول ثان لبوأنا، كقوله:
{لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًَا}