{مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} المراد به آدم عليه الصلاة والسلام. وقراء واحدة على تأنيث النفس وواحد على التذكير والنفس تذكر وتؤنث، والغالب عليها التأنيث. ومعنى الخلق هنا: الاختراع بطريق التفريع والرجوع إلى أصل واحد. كما قال الشاعر:
إلى عرق الثرى وشجت عروقي وهذا الموت يسلبني شبابي
وفي قوله: من نفس واحدة إشارة إلى ترك المفاخرة والكبر لتعريفه إياهم أنهم من أصل واحد. ودلالة على المعاد، لأن القادر على إخراج أشخاص مختلفين من شخص واحد فقدرته على إحيائهم بطريق الأولى.
{وَخَلَقَ مِنْهَا} الظاهر أنها منشأة من آدم نفسه ويحتمل أن يكون المعنى في قوله: منها، من جنسه لا من نفسه حقيقة بل اشتركا في الإِنسانية.
{وَبَثَّ مِنْهُمَا} أي من تلك النفس وزوجها أي نشر وفوق في الوجود. ويقال: أبث الله الخلق رباعيًا وبث ثلاثيًا.
{رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً} أي كثيرة وحذف الوصف لدلالة ما قبله عليه. وقراء وخالق وباث باسم الفاعل على إضمار وهو.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} كرر الأمر بالتقوى تأكيدًا الأول. وقيل: لاختلاف التعليل، وذكر أولًا الرب الذي يدل على الإِحسان والتربية، وثانيًا الله الذي يدل على القهر والهيبة، بنى أولًا على الترغيب، وثانيًا على الترهيب، كقوله:
{يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا}
[السجدة: 16] ، وقراء تسّألون بتشديد السين أصله تتسألون فأدغم التاء في السين، وقراء تساءلون بتخفيف السين على حذف التاء الثانية.
قال ابن عطية: وذلك لأنهم حذفوا التاء الثانية تخفيفًا وهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى لاجتماع حروف متقاربة.
قال أبو علي: فإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف والإِدغام والإِبدال كما قالوا في طسْ طست فأبدلوا من السين الواحدة تاء إذ الأصل طس. قال:
حنّ إليها كحنين الطسّ
"انتهى".